الغرب… أيديه ملطخة بالدماء
(رسالة موجهة إلى الغرب. كتبها بالفرنسية في 31 آب، هنري بولاد، وهو كاهن من الإسكندرية).
أجل، إن أيدي الغرب ملطخة بالدماء، وهي دماء الملايين من بني البشر، لأنّه خان قيمه ووطئ مبادئه بأقدامه لأجل مصالح دنيئة، مصالح مادية وسياسية واقتصادية.
كتبتُ قبل عشرين عاماً، مقالة بعنوان: (يا أوربا، حاذري أن تخسري روحك!) وأرى اليوم أنّ ذلك قد حصل. نعم، فالغرب خسر روحه، وأضاع ما جعل منه الشعاع الموجّه للثقافة والحضارة والإنسانية والقيم الروحية.
إنّ ما صنع من الغرب منارة للعالم، وأثمر إنسانية النهضة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هو في طور الاحتضار ليلفظ أنفاسه ببطء تحت أنظارنا. وإنّ ما أنجب ميكل أنجلو وباسكال وأينشتاين وبيتهوفن والعديد من العباقرة الآخرين في ميادين الفنون والعلوم ماضٍ في طريقه إلى الزوال.
الغرب خان نفسه فدنّسها وباعها لقاء المال والنفط والغاز والدولارات والدنانير.
لقد قال السيد المسيح فيما مضى:
(وما ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه!)
الغرب خسر نفسه. لقد باع نفسه للشيطان، لأولئك الأبالسة الذين يُسمّونهم المال والسلطة والقوة والجشع… وحين تَفْقد حضارة ما روحها، لا يبقى أمامها من سبيل سوى أن تتوارى لتنطفئ ثم تنهار. وذلك تحديداً ما هو جار على مرأى منا ومسمع. ولقد قال لي فرنسي هذا الصباح: (فرنسا تحتضر، فرنسا ميِّتة).
ولئن لم يستدرك الغرب نفسه، فيستعيد قيمه الأساسية، قيمه الإنسانية والأخلاقية والروحية… فأمره قد انتهى.
سوف ينهار الغرب مثلما انهارت الإمبراطوريات العظمى القديمة. والغرب بتنكّره لقيَمِه إنّما يحكم على نفسه بالإعدام. ولئن لم يكن ذلك منظوراً فالثمرة قد نخرها الدود. ولبّها في حالة من التحلل البطيء.
أمّا ذلك البناء البديع فسوف ينهار تلقائياً ذات يوم.
وأعود إلى وضعنا الراهن فأقول: إنّ الكائن البشري لم يعد في مركز الحضارة، وهذه الحضارة محكوم عليها بالزوال في فترة قد تطول وقد تقصر.
فالكائن البشري اليوم بلا قيمة. مئة قتيل، فألف قتيل، فعشرة آلاف قتيل، ليس لذلك من قيمة. فالأساس احتلال الأرض، وبلوغ حقل للغاز أو حقل للنفط.
مئة ألف قتيل في سورية اليوم، ومليون قتيل بالأمس في العراق، ومليونان في أمس الأول في السودان… ويظلّ ذلك كله دونما اعتبار.
الغرب أيديه ملطخة بالدماء… وبدلاً من أن يرجع عن غيّه فيثوب إلى رشده في صحوة من ضمير، يواصل سياسة القتل الانتحارية.
إنّه راغب في الشرق الأوسط مهما كان الثمن، وراغب في هذه المنطقة الملعونة التي يسيل فيها الذهب الأسود أنهاراً. ولا يقيم اعتباراً إلا لمصالحه: مصالح جيوسياسية واستراتيجية. فأين هو الإنسان في هذه المعمعة كلّها؟ الإنسان وزنه ضئيل، وزنه ضئيل جداً.
أمّا المهمّة الأشدّ إلحاحاً اليوم فتتمثل في العثور مجدّدًا على معنى الإنسان، وإعادته إلى موقعه، فهو موقع مركزي في نظرتنا إلى العالم. علينا أن نقوم بمراجعةٍ لسياساتنا واقتصادنا واستراتيجياتنا، ونحن نضع الكائن البشري نصب أعيننا.
حين انتهت الحرب العالمية الثانية، أحصت أوربا قتلاها الذين بلغ عددهم ثمانين مليوناً، فتولاها الذهول. وتساءلت يومذلك عن الشيطان الذي تلبّسها، والجنون القاتل الذي أصابها. فقامت آنذاك في ألمانيا جمعية إعادة التسلح الأخلاقي، في سبيل اجتثاث الداء من جذوره. وقد أدركت ألمانيا أنّ الحل يتمثل في انبعاث أخلاقي وفي صحوة أخلاقية وعطاء روحي، بدلاً من أن تذرف دموع التماسيح على ذلك الخراب وتلك المأساة: على ذلك الهول.
وهذا تحديداً ما نحن بحاجة إليه اليوم. فهل سيعرف الغرب كيف يستعيد جذوره الإنسانية والروحية؟ هل سيعرف كيف يضع نفسه موضع تساؤل؟ وأن يقوم بثورته على الطريقة المصرية، التي شقت له الطريق؟ حين يشعر شعب ما أنّ الخديعة جاءته عن طريق قادته، وأنّ الذين انتخبهم (ديمقراطيًا) قد غشوه، يفقد هؤلاء كلّ صفة شرعية فيستحقون الخلع والتقديم للمحاكمة بتهمة الخيانة.
لقد آن لنا أن نخرج من بلادتنا، فنهبّ إلى إقامة معارضة، فننزل إلى الشارع بالآلاف والملايين ونجأر بالصراخ تعبيراً عن سخطنا وغضبنا.
لقد آن لنا أن نسقط القناع عن رياء وسائل الإعلام والذين يتلاعبون بها – عصابات المافيا وعمالقة المال والسياسيين المنخورين فساداً- وأن نخرجَ إلى النور فنهتف بصوت الحقيقة ونقيم القانون والعدل.
إنّ عالمنا قد ساءت صحته، ونحن في عالم مريض.
وهيّا فلنستيقظ. ألا إنّه قد آن الأوان..!