الذكرى الـ 67 للجلاء
تأتي الذكرى الـ 67 لرحيل آخر جندي فرنسي عن أرض الوطن في السابع عشر من نيسان عام ،1946 ولا تزال الأزمة السورية تتفاقم وتزداد تعقيداً. ولا يزال الجيش السوري يلاحق المسلحين المرتزقة، في المدن والقرى، في الوقت الذي يصعّد الحلف الرجعي في المنطقة مواقفه، ويقدم المال والسلاح والتدريب لقطعان السلفيين الجهاديين القادمين من عشرات الدول العربية والإسلامية والأوربية، وذلك بالتحالف مع الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيين وإسرائيل.
وفي هذه المناسبة العزيزة على قلوب السوريين جميعاً من مختلف مكوّنات المجتمع، لا بدَّ من فتح نافذة التاريخ الوطني، وقراءة بعض الصفحات النضالية المشرقة للشعب السوري البطل، الذي قدَّم ألوف الشهداء من أجل حريته واستقلال سورية وكرامته.
إن سورية التي تخلَّصت من حكم المماليك، وقعت تحت سلطة الاستعمار العثماني عام 1516 لأربعة قرون. وغدت بلداً شديد التخلف (اقتصادياً وثقافياً وسياسياً).
ولم يكد الشعب السوري يستنشق أوكسجين الحرية بانتهاء الحرب العالمية الأولى، حتى جاء الاستعمار الفرنسي لمدة ربع قرن ونيّف (1920 – 1946 ). ولم تجف تربة الوطن بعد من دماء شهداء السادس من أيار عام 1916 ، حتى رفدته ساقية دماء شهداء الوطن، في المعارك الوطنية في حوران وجبل العرب والزاوية والغوطة والساحل والجزيرة وجميع المناطق السورية. ولم تغب صور السفَّاح أحمد جمال باشا، حتى جاءت صور جنرالات الاستعمار الفرنسي (كاربيه وغورو وميشو وغيرهم). وازدادت عزيمة الثوار وقادتهم البواسل من أمثال الشيخ صالح العلي وسلطان باشا الأطرش وإبراهيم هنانو وأحمد مريود وحسن الخراط ومحمد الأشمر وعبد الرحمن الشهبندر وسعيد العاص.. وغيرهم.
لقد أثارت مقررات مؤتمر سان ريمو عام 1920 روح الغضب وأشعلت النفوس روح المقاومة والنضال. وأدى ذلك إلى استقالة حكومة الركابي، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة هاشم الأتاسي. وتقلّد يوسف العظمة فيها وزارة الدفاع. وقامت هذه الحكومة بتقديم الدعم المادي للثوار. وأصدرت قانوناً يفرض التجنيد الإجباري، كخطوة أولى لتأسيس الجيش الوطني.
ولا بدَّ ونحن نشهد المواقف المحرّضة – الاستفزازية لجنرالات فرنسا الجدد ولحكامها، الداعمين للمجاميع المسلحة التكفيرية اليوم، أن نعود بالذاكرة إلى إنذار غورو المشؤوم الذي يتعارض مع السيادة الوطنية، واحتجاج هذا الجنرال على الحكومة السورية، لأنها تأخرت نصف ساعة عن الاستجابة لإنذاره. وكأن التاريخ يعيد نفسه ولكن بأسماء جديدة وشخصيات مشابهة، لم ترتدع من هزيمة فرنسا التاريخية في سورية ولبنان وبلاد المغرب العربي، ولا من دروس العراق وأفغانستان والصومال وتجارب الغزاة الإمبرياليين. وكما تصدّى ثوار النضال والاستقلال لجيوش الاستعمار الفرنسي، يتصدَّى الشعب السوري اليوم، وفي المقدمة الجيش العربي السوري، للمجموعات السلفية – الوهابية – الإخوانية، المدعومة بالمال والسلاح والأجهزة والتدريب، في معسكرات تركيا والأردن من الحلف الإقليمي الرجعي، والتحالف الأمريكي الأوربي. ورغم أن الجيوش الاستعمارية، تمكّنت من قمع الثورة السورية الكبرى، والقضاء على الثوار في نيسان عام 1927 ، واحتلت المدن والقرى وحرقتها بنيران المدرعات وقذائف الطائرات، فأُرغم المناضلون الوطنيون على اللجوء إلى الأردن ومصر وفلسطين، إلاَّ أن عام 1936 كان عام الذروة إثر مهاجمة الشرطة التابعة للاحتلال الفرنسي، لمقر حزب الكتلة الوطنية في حلب، في ذكرى الأربعين لوفاة قائد ثورة جبل الزاوية إبراهيم هنانو، فاجتاحت المظاهرات ساحات المدن وشوارعها لمدة ستين يوماً، وسمي هذا الإضراب ب (الإضراب الستيني).
لقد نشأ حزبنا الشيوعي السوري عام ،1924 عشية الثورة السورية الكبرى في ظل المقاومة الشاملة للاحتلال الفرنسي.
وقف الشيوعيون السوريون والقوى الوطنية إلى جانب الثوار البواسل. وكانوا سنداً قوياً وداعماً لهم في نضالهم الشاق، من أجل تحرير سورية من رجس وقذارة جنرالات الاحتلال. ومنذ أن رفعت راية الاستقلال والحرية في سماء سورية، وشعبنا السوري يناضل دون هوادة لتوطيد الاستقلال وحماية الوطن والدفاع عنه ضد أي عدوان خارجي وتدخل في شؤون سورية الداخلية، من أجل الحفاظ على وحدته وسيادته وقراره المستقل.