الخليجيون يموّلون العدوان… وأكثرية (العشرين) مع الحل السلمي

شعبنا يقاوم العدوان ليصنع مستقبل سورية الديمقراطي

في إطار التحضير للعدوان الأمريكي على سورية، شاهد العالم وسمع المداولات التي جرت في لجنتَي الشؤون الخارجية في الكونغرس، بحضور الوزيرين كيري وهيغل، ورئيس أركان القوات الأمريكية المسلحة. واطلع على أهمية التساؤلات التي طرحها أعضاء اللجنتين على المسؤولين الثلاثة، وقد أثار الانتباه بضعة أسئلة تناولت تكاليف الحرب (المحدودة) التي سينفذها الجيش الأمريكي، وهل تتحمل الخزينة التي ترزح تحت عبء دين عام تجاوز ال14 تريليون دولار، هذه التكاليف، في وقت فشلت فيه جميع الإجراءات التحفيزية لإنعاش الاقتصاد الأمريكي، مما أدى إلى تراجع نسب النمو المتوقعة، وازدياد نسبة العاطلين عن العمل، وارتفاع عدد الأمريكيين المطالبين بمساعدات غذائية، وإعلان إفلاس ولاية ميتشيغان، المركز الرئيسي لصناعة السيارات!

الخليجيون يمولون العدوان

أجاب الوزير كيري عن تساؤلات الحضور قائلاً: هناك دول صديقة في المنطقة عرضت تمويل الحرب على سورية، وحاول أن يكتفي بهذا القدر من التوضيح، لكنه اضطر إلى إفهام الجميع أن الولايات المتحدة ستشن حربها على سورية بأموال عربية!

ما لم يقله كيري إن الإمبريالية الأمريكية رغم تعاظم قدرتها العسكرية، أصبحت بعد أزماتها الاقتصادية المتكررة، وآخرها الانهيار الكبير في خريف ،2008 مارداً يستجدي مساعدات الآخرين، وخاصة الخليجيين وصناديقهم السيادية، التي تضخ تريليونات الدولارات في شرايين المصارف الأمريكية الكبرى، وصناديق بيوتات المال في (وول ستريت).

وما لم تتطرق إليه أسئلة الحضور: ما هي الدوافع التي تدفع الخليجيين لتمويل العدوان الأمريكي على سورية؟ فهم يعرفونها جيداً، إنهم الشركاء في رسم المخطط الإقليمي وتنفيذه، وهو الذي سيحوّل الشرق الأوسط الكبير إلى منطقة نفوذ تلجم تطلعات الجماهير العربية إلى التقدم والديمقراطية والسلم، وتتقاسمها الإمبريالية الأمريكية والصهيونية بعد إغلاق الملف الفلسطيني عبر تفاهمات مشبوهة، والتنكر للحقوق المشروعة للفلسطينيين في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.

تلاقي المصالح

لقد أعلنت المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة، وخاصة لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأمريكية (إيباك)، ورابطة مكافحة التشهير، والائتلاف اليهودي الجمهوري، عن تأييد ممثليها في الكونغرس للحرب على سورية. كذلك فعل الخليجيون والقرضاوي وأردوغان وهولاند، فأي هدف يجمع هذه الجوقة؟

أما رموز المعارضة الخارجية القابعون في أحضان بندر، الذين عجزوا عن الفعل الثوري الداخلي، بسبب ظلامية مشروعهم (الديمقراطي) المعادي لطموحات الجماهير الشعبية في بناء مستقبلها الديمقراطي الحقيقي، المعادي للإمبريالية والصهيونية، فقد ملؤوا الدنيا زعيقاً وعويلاً.. إنهم غير راضين بمحدودية الضربة الأمريكية العقابية السريعة، بل يستجدون حرباً شاملة تدمر سورية وشعبها، ويضعون السيناريوهات لامتطاء صواريخ (توما هوك) بعد أن خذلهم صمود الشعب السوري وجيشه الوطني.

الذريعة (الكيماوية) لم تقنع الرأي العام الأمريكي والأوربي رغم (الأدلة والبراهين) التي حضّرتها المخابرات المركزية، فشعوب العالم لا تثق بتقاريرها وتحقيقاتها بعد حروب الإمبريالية الأمريكية في كوريا وفيتنام والعراق.

لمن لا يريد رؤية الحقائق

منذ أيام عرضت الأقنية (الديمقراطية) الخليجية شريطاً مصوراً يظهر قدرة المعارضة السورية المسلحة على تصنيع مدافع الهاون والقذائف المتنوعة، وتفاخرت هذه الأقنية بعد ذلك بعرض مشاهد لتصنيع مدفع ميدان عيار 240مم الذي يحتاج صنعه عادة إلى مصانع متطورة. ونسأل هنا المتذرعين بمسؤولية الجيش السوري في استخدام السلاح الكيماوي: ألا يثبت هذا الشريط قدرة المجموعات (الجهادية) على (طبخ) الغازات السامة وإطلاقها من (هاوناتها) وصواريخها المصنعة يدوياً.. والأخرى الموردة من مخازن (أصدقاء) سورية في الولايات المتحدة وأوربا وتركيا؟ خاصة بعد أن ذكرت صحيفة (دير شبيغل) الألمانية (أن المخابرات الألمانية لديها ما يثبت أن خطأً ارتُكب في تركيز غاز (السارين)، مما أدى إلى ارتفاع عدد الضحايا)، وهذا الخطأ لا ترتكبه عادة القوات النظامية التي تنوي تصنيع هذا النوع من الغازات!

إن إصرار الأمريكيين على ضرب سورية قبل إجراء التحقيق في مسؤولية استخدام السلاح الكيماوي، هو انتهاك لكل مبدأ قانوني أو أخلاقي، فلا يجوز لدولة ما أن تطلق اتهاماً، وأن تفبرك الدلائل، وأن تتولى تطبيق قانونها، وهو في هذه الحالة قانون الغاب، دون الرجوع إلى المنظمة الدولية، حتى مع افتراض صحة الاتهامات الموجهة إلى سورية، وهذا يؤكد عزم الإدارة الأمريكية على التدخل المباشر في الأزمة السورية، ومساندة المعارضين المسلحين والتكفيريين تحت أية ذريعة، وهذا ما لفت أنظار العديد من القادة في العالم، وأدى إلى معارضتهم للعدوان العسكري، ومطالبتهم باستمرار بذل الجهود لحل الأزمة السورية عبر عقد مؤتمر جنيف 2.

لقاء أوباما وبوتين على هامش قمة العشرين، لم يغيّر موقف البلدين إزاء العدوان العسكري على سورية. ففي حين أكد أوباما موافقة 11 بلداً من بين المجتمعين على ضرورة معاقبة سورية، قال بوتين إن الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا والسعودية وكندا وافقوا، وباقي الدول كانت مع الحل السلمي للأزمة السورية. وأشار بوتين بعد ذلك إلى أن العمل العسكري ضد سورية من خارج الأمم المتحدة مرفوض تماماً، وستساعد روسيا سورية عسكرياً واقتصادياً وإنسانياً لمواجهة العدوان الأمريكي.

شعبنا سيقاوم العدوان

السوريون وقفوا في خمسينيات القرن الماضي صامدين أمام تهديدات الإمبريالية الأمريكية ومشاريعها لاستزلام سورية، التي يدرك الجميع أنها محور السياسات الوطنية التحررية العربية، وشكلت الأحزاب الوطنية ائتلافاً واسعاً ضم ممثلي التيارات السياسية التقليدية والقومية والحزب الشيوعي السوري لصد العدوان والحفاظ على سورية الوطنية بعيداً عن الأحلاف الاستعمارية.. وها هم أولاء اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن حافل بالضغوط والتهديدات الأمريكية، يقفون من جديد خلف المتراس لمواجهة العدوان الذي يمول هذه المرة بالتريليونات العربية المسروقة من أفواه الجائعين والعاطلين عن العمل والمهجرين والمهاجرين والمهمشين الموزعين بين المحيط والخليج. وهم يعلمون جيداً أن حل أزمتهم التي أرهقتهم، وكادت أن تدّمر بلادهم، لن يتحقق إلا عبر الحل السياسي، الذي يتطلب توافقهم في إطار حوار وطني شامل يضم الجميع، ويرسم ملامح سورية المستقبل.. الديمقراطية.. العلمانية.. المعادية دائماً وأبداً للإمبريالية والصهيونية.

العدد 1190 - 11/03/2026