الخط مقطوع..

ليس فقط هاتفي هو الذي كان مقطوعاً طيلة الشهر الماضي، بل هواتف معظم من يسكنون الحي الذي أقطنه، وليست المشكلة في انقطاع خط الهاتف الذي يحتاج الى معاملة طويلة يتوقع من يبدأ بها بأنها ستنتهي بسرعة مع بداية الاتصال برقم الطواريء الذي ينبّه أن المكالمة مسجّلة نظراً لأنهم سيأخذونها على محمل الجد والسرعة والاهتمام، بل المشكلة في ماذا بعد..؟؟

بدايةً عرفنا أن الاهتمام بالشكوى لن يبدأ قبل مضي ثمان وأربعين ساعة، ومن ثمّ بدأنا بملاحقة الموضوع والإشكال المتعلق بقطع خط الهاتف، وهكذا تدور بين مقسم الهاتف، وقسم الطوارئ،  والموظف الذي يأتي بشكل مجاني حسب ما يذكر موظفو المركز، انتهاءً بمشكلة لن يستطيع حلها الموظف ان لم نضطر لدفع مبالغ كبيرة بدل أشرطة الهاتف الهوائية والأرضية وما تحت الأرضية، والبحث عن العلبة وخط المنزل، تلك المعاملة التي تحتاج لتقنيات هائلة لا يمكن الوصول إليها في حارة صغيرة بإحدى ضواحي العاصمة إلا إذا دفعت مقابل ذلك رشوة طبيعية عادية بدل الخدمة المجانية التي يقدمها مقسم الهاتف، والتي ندفع جزءاً من الفاتورة الدورية مقابل تلك  الخدمة…

بكل تأكيد لم تنته مشكلة الهاتف إلى يوم كتابة المقال ولا يزال مقطوعاً، لكن يبدو هذا الأمر أقل من عادي أمام كل الخطوط المقطوعة ما بين المواطن والحكومة، فلا أحد يهتم ولا أحد يسأل عما يكتب أو ينشر في أي مكان كصيحة ألم أو شكوى أو انتهاك..

يسأل سائق التكسي عن البنزين الموعود، وتسأل ربة منزل عن المازوت المدعوم، ويتساءل طالب عن مدى ما يدرسه ويتعلّمه في ظل وضع لا يبدع فيه ولا يتعلم فيه بشكل حقيقي، وتسأل طفلة عن حقها في التعليم الذي مازال صوراً في وسائل الإعلام، فهو لن يطبّق حقيقة في ظل قوانين لا تزال تسمح بتزويجها، ويسأل المواطن عن إنسانيته التي تتلاشى يوماً بعد يوم، فيغدو بعد لهاث يوم بأكمله وراء لقمة العيش كشيء لا معنى له لا صوت ولا لون، كأنّه رقم فقط ينتظر حفنة التراب..

كانت غرف المسؤولين تتجاوب قليلاً مع شكاوى المواطنين، ويفرد لهم مكان ليردوا ولو بالكلام على الأقل للمطالب والأوجاع، لكن الآن تعبت أيديهم، ولم تعد قادرة حتى على خطِّ ما يُبلسم الجرح بقليل من الاهتمام، فلم تعد تعير اهتماماً لأي مطلب أو مشكلة يتم الحديث عنها، ونحن مازلنا نبحث عن خطوط لنوصلها، لكنها لا تتحمل، فإما أن تقطع بسرعة نظراً لهشاشتها، أو لا يمكن حتى إيصالها كما حدث لهاتفي الذي لا يزال مقطوعاً وينتظر موظفاً لا يقبل الرشوة وحلاً من داخل الحي لا من خارجه، وخطاً قوياً قادراً على إعادة الحرارة والصوت بشكل أنقى وأصفى فنسمع بعضنا ونتواصل..

العدد 1190 - 11/03/2026