الغلاء والفساد… أخطر فهل تحزم الحكومة أمرها؟
عانى معظم السوريين ولا يزالون يعانون، ما تنوء به الجبال، على مدى أكثر من سنتين، من أزمة أدخلت البلاد والعباد في نفق كارثي، واشتدت المعاناة وتسارعت وتيرتها في الشهرين الأخيرين، على وقع قفزات متوالية للأسعار، شملت كل ما يحتاجه المواطن في معيشته اليومية، بدءاً من البقدونس والبندورة، إلى الألبان والأجبان واللحوم، مروراً بأجور النقل، وصولاً إلى الدواء ومستلزمات العلاج.
وإذ أثارت الإجراءات التي اعتمدتها الحكومة مؤخراً بعض الأمل، فإن المأمول والمطلوب أن تندرج هذه الإجراءات (توزيع مواد إضافية على البطاقة التموينية، وتفعيل الدور التدخلي للحكومة في الأسواق، وإقرار مشاريع قوانين..)، في سياق سياسة اقتصادية جديدة تعيد إلى المسار السليم اقتصاداً أنهكته سياسات الانفتاح والتحرير التي اعتمدتها الحكومات السابقة، على مدى سنوات، وتعيد إلى غالبية السوريين حقوقهم التي انتهكها ولا يزال ينتهكها الفساد والفاسدون.
زيادة.. أم نقص؟
لم يكن جديداً ولا مفاجئاً أن يبدأ كبار التجار برفع أسعار السلع تدريجياً، حين علموا بمشروع مرسوم يقضي بزيادة الرواتب والأجور. وبعد أن صدر المرسوم فعلاً (18/6/2013) رفعوا الأسعار مجدداً بنسب أعلى، قبل أن يصل إلى جيوب العاملين قرش واحد من هذه الزيادة.
ورغم أن زيادة الرواتب، كانت ولاتزال المطلب الذي يتصدر المطالب في الاجتماعات والمؤتمرات والمجالس النقابية والحزبية، فإن العاملين بأجر، صاروا يتوجسون خيفة منها، ويضعون أيديهم على قلوبهم، مع كل زيادة تأتيهم، لأنها مثل كل مرة، تعني إنقاصاً للقيمة الحقيقية لرواتبهم، على شكل رفع لقيمتها الرقمية.
رمضان كريم.. لمن؟
وترافقت ارتفاعات الأسعار هذه مع تكرار ذريعةٍ تتردد كل عام، هي اقتراب شهر رمضان، حتى بدا رمضان شهراً للتجار، وتحديداً لكبار التجار والمحتكرين، فصغار التجار والباعة، غالباً ما يكونون ضحايا هذه الارتفاعات، مثل سائر المستهلكين، ذلك أن عليهم أن يواجهوا مع كل عملية بيع للمستهلك نظرات الاتهام والتشكيك، كأنهم هم من يرفعون الأسعار. كما أن دوريات المراقبة والتموين تجدهم (نموذجيين) لتطبق عليهم ما يفرضه القانون من عقوبات وغرامات، علماً أن من يستجرون منهم السلع لا ينظمون لهم فواتير واضحة. وقد (عجزت) الحكومات السابقة عن فرض نظام (الفوترة) في الأسواق، ولاتزال بعض اللوحات من الحملات الإعلانية لوزارة المالية بهذا الخصوص معلقة ويتكدس عليها طبقات الغبار والدخان.
والدولار أيضاً..
وإذا كان ذلك كله مما يحاول معظم المواطنين أن يتكيفوا معه، وأن يشدوا الأحزمة على بطونهم وبطون أولادهم الفارغة، فإن الجديد في الشهرين الأخيرين تمثل في الارتفاعات غير المسبوقة لسعر صرف الدولار، إذ راح يقفز صعوداً بين يوم وآخر، متجاوزاً المئة ليرة أولاً، ثم مئة وخمسين، وصولاً إلى أكثر من ثلاثمئة ليرة، رافعاً معه الأسعار المرتفعة أساساً، وجارفاً من جيوب ملايين السوريين الفقراء وأفواههم، خلال أيام، ما كانوا يقتاتون به على مدى الشهر. والنتيجة أن مئات ملايين الليرات والدولارت صبت في خزائن وحسابات فئة صغيرة من كبار التجار والمضاربين، الذين ظل المصرف المركزي، تبعاً للسياسة التي يعتمدها منذ سنوات، يضخ بين أيديهم في السوق، يوماً بعد آخر، جزءاً من احتياطيه، رافضاً كل الانتقادات لهذه السياسة، ومتجاهلاً الدعوات التي أطلقها مختصون وقوى وأحزاب، لتغيير هذه السياسة التي قد تعطي أحياناً نتائج آنية، لكنها تزيد وضع ليرتنا كارثية.
سيف الحكومة
ورغم أن لحكومتنا يداً قوية وعيوناً وآذاناً، حتى لتكاد لا تخفى عليها خافية، فإنها بدت أمام هذا الغلاء المتفاقم متفرجة، كأنما لسان حالها يقول: (ما باليد حيلة!)، بل إنها أحياناً راحت تشتكي. فقد تحدث بعض المسؤولين عن دور (تجار الأزمات) و(ضعاف النفوس)، وكأن هؤلاء أشباح لا يمكن كشفهم، وراحت تقذف المسؤولية تارة على (العقوبات) الظالمة، وتارة أخرى على المحتكرين والمضاربين، كأن هؤلاء موجودون في كوكب آخر!
ما دامت حرباً!
بالتأكيد، لا يمكن لأحد أن ينكر الأثر السيئ للعقوبات الاقتصادية، ولا فظاعة ما يقوم به تجار الأزمات والمحتكرون والمضاربون، ولكن من غير المقبول أن تتجاهل الحكومة دورها هي، ولا أن تتناسى ما يفترض وما يمكن أن تفعله، خصوصاً أننا – حسبما تعلن الحكومة نفسها- نعيش حالة حرب. فهل كانت الحكومة تنتظر مثلاً ممن فرضوا العقوبات على اقتصادنا، أن يحنّوا قليلاً على هذا الاقتصاد ويدعموه؟ أو أن يخففوا عقوباتهم؟ وهل كانت تنتظر ممن يجندون الإرهابيين ويسلحونهم، أن ينظروا بعين العطف إلى ليرتنا واحتياطينا النقدي؟
ألم تقتنع الحكومة بعد بأن سياسات الانفتاح وتحرير الاقتصاد، وغض النظر كثيراً وطويلاً عن الفساد والفاسدين، هي التي شجعت (تجار الأزمات) و(المضاربين) و(المحتكرين)؟ فالحكومات السابقة، تحت عناوين اقتصاد السوق الحر والتشاركية، شرعت الأبواب لنشاط هؤلاء، وأمّنت لهم الغطاء القانوني والحماية، وفي الوقت نفسه، ضيقت على المنتجين في الزراعة والصناعة، مثلما ضيقت على كل صاحب رأي لا يتناغم مع أدائها.
انتقائية في الطوارئ.. وفي الحرب!
وللمفارقة فإن سيف (قانون الطوارئ) الذي ظل مشهراً في وجوه السوريين خمسين عاماً، لم يخدش أياً من هؤلاء الذين تشكو منهم الحكومة، ولا نال من كبار المهربين وعتاة الفاسدين، بل شكل أحياناً درعاً لحمايتهم! بينما كانت يد الحكومة القوية تهوي به، في ذلك الوقت، على الحلقة الأضعف.
وما دمنا اليوم-حسبما تقول الحكومة- في (حالة حرب)، وهي حالة أشد استثنائية وأقسى من حالة الطوارئ، فما الذي يمنع الحكومة إذن من ضبط هؤلاء الذين يستنزفون جهد السوريين وعرقهم ودماءهم وليرتهم واحتياطيهم؟ وأين هي عيون الحكومة وآذانها عن هؤلاء؟ وما الذين يمنعها من محاسبتهم – بعد ذلك- واسترداد ما نهبوه؟
نخر المركب
الحكومات المتعاقبة، إذن هي المسؤولة، بالدرجة الأولى، عن الوضع الذي وصلنا إليه، وتملك الحكومة اليوم وتتحكم بالأدوات والآليات اللازمة للخروج مما نحن فيه، ويمكن لها أن تجترح آليات جديدة، وليس مقبولاً الآن أن يستمر السكوت عن الفساد والفاسدين، فدورهم فيما نحن فيه، صار أخطر وأشد وطأة من الإرهاب، لأنهم ينخرون المركب من داخله.
فهل تحزم الحكومة أمرها، وتفعل، دون تأخير، ما يجب، قبل أن نغرق؟