الأسعار في مقلاة التجار.. فمن المسؤول عن رفعها؟
معلومات صادمة تطرح عبر صحيفة محلية حول الأرباح الفاحشة التي يحققها التجار والمستوردون في بيع السلع بأضعاف مضاعفة للمستهلك، في حين أن القيمة الحقيقية لهذه السلع المستوردة لا تشكل إلا شيئاً ضئيلاً من سعرها المعلن للمستهلك، ليبقى السؤال مطروحاً دون إجابة عن عدم التحرك للتحقق من مدى صحة الوثائق المنشورة التي تتعلق بأرباح فاحشة يحققها التجار على حساب لقمة الشعب وهموم المستهلك، وخاصة ذوي الدخل المحدود، في تأمين لقمة عيشه التي أصبحت صعبة المنال؟
وبحسب ما نشرته صحيفة (الوطن) المحلية في أعداد سابقة، فإن الوثائق تتضمن أسعار بعض السلع والمواد الأساسية المستوردة عام ،2013 فقد استوردنا عدة شحنات من الأرز من مصر وتايلاند والهند وإسبانيا وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والباكستان، بأسعار تراوحت بين 40 و57 ليرة للكيلو غرام الواحد، مضافاً إليها ليرة واحدة رسوماً جمركية. على حين يراوح سعر كيلو غرام الرز في السوق للمستهلك من 100 إلى 250 ليرة، وأكثر من 400 ليرة لبعض الأنواع. وتبيّن الوثائق وفق الصحيفة ذاتها أن تجاراً في القطاع الخاص استوردوا شحنات من التونة من دول مختلفة، بينها تايلاند. وقد بلغ سعر كيلو التونة 293 إلى 298 ليرة، مضافاً إليه 24 ليرة رسوماً جمركية، ليبلغ سعر علبة التونة بوزن 160 غراماً مع الرسوم الجمركية نحو 51 ليرة، على حين تباع العلبة نفسها للمستهلك ب180 ليرة، وغيرها الكثير من المواد الغذائية الضرورية التي تضاعفت أسعار مبيعها عن سعرها المستورد!
ولدى السؤال عن أسباب ذلك، فإن جميع الحلقات التجارية لديها حجج جاهزة ومفصلة، فتارة يقولون الدولار، على الرغم من استقراره، وتارة يقولون تجار الجملة، ومرة أخرى يقولون الطرقات وووو.. وبالمحصلة المستهلك هو من سيحمل على عاتقه ومن جيبه الخاوية كل هذه الحجج الواهية وغير المنطقية في فرض السعر المعلن.
ويسأل المستهلك نفسه: من يرفع الأسعار؟ ويبحث عن إجابة وافية لهذا السؤال: فلدى شراء سلعة معينة يجد المستهلك فارقاً كبيراً في سعرها بين محل تجاري وآخر، يصل إلى 50 و100 ليرة. وقد امتد ذلك إلى الصيدليات، بالنسبة إلى حليب الأطفال والأدوية، فلكل صيدلية تسعيرة معينة، وباتت عملية شطب التسعيرة أمر اعتيادي، على الرغم من أنها مخالفة للقانون جملة وتفصيلاً.. وفي حال سألت بائع المفرق عن سبب اختلاف سعره عن سعر بائع آخر يقول لك إنه اشتراها من بائع جملة بسعر مرتفع، لذا فهو مضطر لبيعها بسعر أعلى من سعر غيره من البائعين. ويبدأ بتعديد سلسلة العوامل التي تواجه عمله من احتكار للسلع وتحكم للأسعار في أسواق الجملة أو صعوبة النقل. في حين نرى من ناحية أخرى أن بائع الجملة يقول إن أسعاره تختلف من يوم إلى آخر، وذلك وفق سعر الصرف، ولكن الأسعار لدى جميع بائعي الجملة هي شبه موحدة ولا يستطيع أن يرفع سعره عن غيره إلا في حال كان هو المستورد أو المنتج الوحيد للمادة (المتحكم بها في السوق المحلية).
وكان رئيس اتحاد غرف التجارة غسان قلاع قد أوضح سابقاً في أحد تصريحاته، أن انخفاض الأسعار يختلف بين مستورد وتاجر جملة وبائع مفرق، فالمستورد يلتزم بالتكلفة وفق القيمة الفعلية، في حين يكون الاحتكار والتلاعب بالأسعار محصوراً بباعة المفرق.
خبير اقتصادي: جميع الحلقات تساهم.. ولكن تاجر الجملة له الأثر الأكبر
ارتفاع الأسعار في أسواقنا المحلية مرتبط بجميع الحلقات التجارية مجتمعة: الحكومة وتاجر الجملة أو المستورد وبائع المفرق والمستهلك، هذا ما أوضحه الخبير الاقتصادي نضال طالب في تصريحه ل (النور)، مشيراً إلى أن جميع الحلقات السابقة تساعد على رفع الأسعار في السوق، ولكن التأثير الأكبر لرفع الأسعار هو لتاجر الجملة أو المستورد، لأنه يتحكم بحجم كبير من المواد والسلع، وهو الذي يحدد أسعارها في بداية الأمر. فرفع أسعاره يعني ارتفاع أسعار المواد التي يبيعها لتجار المفرق في آلاف المحلات، وأن عدم طرحه للسلع في السوق يؤدي إلى نقصان وانكماش واضح لها وارتفاع في أسعارها، أي أن للمستورد وتاجر الجملة التأثير الكبير في رفع الأسعار أكثر من أي حلقة أخرى. وأشار إلى أن الحكومة تساهم في رفع الأسعار، وذلك برفع الدعم عن حوامل الطاقة، أو زيادة الضرائب والرسوم المباشرة وغير المباشرة، في حين أن المستهلك يلعب دوراً في رفع الأسعار عندما يستمع للشائعات ويخزّن مواد غذائية زائدة عن حاجته، فيزداد الطلب على المواد وتفقد في الأسواق، وبالتالي ترتفع أسعارها، كما أنه يساهم في رفع الأسعار بعدم التوجه بالشكاوى إلى الجهات الرقابية، عندما يتعرض لغش البائعين. أما بائع المفرّق فهو يلعب دوراً في رفع الأسعار، ولكن تأثيره محدود على عدد محدد من المستهلكين فقط، وفي حال رفع الأسعار فإن المستهلك له بدائل متعددة غيره، وقد يؤثر بائع المفرق على مبيعاته في حال رفع الأسعار، لأن المستهلك سيتوجه إلى البائع الأرخص بطبيعة الحال، فتأثيره يبقى محدوداً وقليلاً مقارنة مع تاجر الجملة أو المستورد.
جمعية حماية المستهلك: بائع المفرق هو من يرفع الأسعار
أوضح عدنان دخاخني، رئيس جمعية حماية المستهلك بدمشق وريفها، في تصريحه ل(النور)، أن بائع المفرّق هو اللاعب الأساسي في رفع الأسعار.. وكما قال دخاخني: (بائع المفرق أكل البيضة والتقشيرة)، فعند رصد سوق الهال ومراجعة أسعار السلع فيه ومقارنتها مع أسعار بائعي المفرق، تجد العجب العجاب والفروق الشاسعة، التي تصل إلى نسب 100% لكثير من السلع. ولفت إلى أن المستورد والمنتج همّهما الوحيد هو تصريف ما يقومان بإنتاجه أو استيراده، خشية من المنافسة أو الخسارة نتيجة تقلب سعر الصرف أو كساد البضاعة في المستودعات، فهما يضطران إلى البيع فوراً لكي (يقلب) رأسماله ويزيده بسرعة، مؤكداً أن المستورد والمصنّع أو تاجر الجملة ليسوا طرفاً في رفع أسعار المواد، وخاصة أن المصنع يخشى من فساد مخازينه، فهو يسارع إلى تصريفها بأسعار منافسة.
المسؤولية.. والإجراءات
إذا كان المستورد وتاجر الجملة غير مسؤولين عن ارتفاع الأسعار، كما يقول ممثلو التجار والمصنعين، فهل بائع المفرق هو المسؤول الوحيد..؟
نعتقد أن الجميع مسؤولون وفي المقدمة منهم المستوردون والتجار، وهنا يأتي دور الحكومة في مراقبة ثبوتيات الاستيراد، ووضع هامش يسمح بوصول السلع إلى المواطن بأسعار في متناوله.