American Sniper.. كلاب الراعي المباركة

يشبّه جندي أمريكي شاب من المارينز، ماهية الحرب للقناص الشهير كايل الملقب بالأسطورة، بطل فيلمAmerican Sniper) ) بسياج كهربائي كان يحيط بمنزله وهو صغير.. وقد اعتاد الأطفال على اللهو بالتمسك بأسواره، ليفوز الذي يحتفظ بالسلك لوقت أطول.. كذلك هي الحرب تضخ كهرباء العنف في عظام الرجال بشدة وتحقنهم بالعدائية البهيمية فلا يستطيعون أن يتمسكوا بأي شيء آخر.. من هنا كانت صيحته الخافتة: (أنا أريد فقط أن أؤمن بما نفعله هنا!)، تمثل اختزالاً دقيقاً لهزلية دوافع الانتهاك الأمريكي الوحشي للعراق عام 2003 شعباً وحضارة وتاريخاً، فيما سمي باستراتيجيات الدفاع الاستباقية لتأبيد روح العبودية المعاصرة التي تجتاح العالم باسم الأمركة.

يبدأ الفيلم بمشهد تسويقي عسكري يرصد دبابة أمريكية تقتحم منطقة مدمرة في العراق، فيما قناص يستعد لتدشين دورته كقاتل محترف يتلبس غريزة الدفاع الأمريكي: الله، الوطن، العائلة. وللإمعان في القسوة تكون الطريدة الأولى أماً عراقية مع طفلها يغادران منزلهما باتجاه المدرعة الأمريكية، في إشارة مباشرة إلى غريزة العدوان في بنية الإنسان العراقي، وهي صورة ستتكرر في كل الفيلم، ابتداء بمحاولة الطفل قذف المدرعة بصاروخ كورنيت الروسي قبل أن يرديه القناص قتيلاً، ثم تدافع أمه مع الصاروخ لإكمال المهمة قبل مقتلها هي الأخرى. وصولاً إلى السفاح العراقي الملقب بالجزار، وتواطؤ العراقيين مع القتلة تحت هامش الخوف والتخوين. وأخيراً مشهد الطفل العراقي الذي يرى مواطنه يسقط بطلقة القناص، فتراوده نفسه التقاط السلاح الثقيل لمعاينته.. 

بالمقابل تعيدنا الكاميرا إلى الوراء، لترصد غريزة الدفاع التوراتية المذهلة في العقلية الأمريكية: (الخراف، الذئاب، كلب الراعي)، من خلال الطفل كريس كايل الذي يصيب ببندقيته غزالاً فيما والده يذكره بتهديد مبطن بأهمية احترام السلاح وتقديسه. وأمام المائدة ينزع الأب حزامه الجلدي لينبه ولديه إلى أنه لا يربي الخراف في منزله، بل كلاب الراعي المدربة على القتل الدفاعي الممهور بمباركة التصفية الجسدية، أما إن تحولوا إلى ذئاب تنهش الضعفاء، فسوف يجلدهم! ولكن باسم العدالة المؤمركة ستجلد أوطان وتنتهك أمم، لتتلبس الذئاب هيئة كلاب الراعي المباركة! 

وتحت شعار: (عندما تعرف نفسك أكثر تعرف هدفك)، يلتقط المخرج (تفاصيل البنية العدوانية لكريس المغلفة بعقيدة الدفاع. بداية بترويض الخيول البرية تماشياً مع إرث الكاوبوي التكساسي، وما ينعكس كسلوك عنيف أثناء التعامل مع الآخرين كعشيقته سارة مثلاً. وصولاً إلى الأثر الدعائي التحريضي لتمثيلية انهيار برجي التجارة العالمية عام 2001 على نفسية المواطنين الأمريكيين وانضمامهم طواعية إلى معسكرات التدريب، التي سترسلهم كمارينز إلى العراق بعد عامين.. وانتهاء بتأهيل كايل ككقناص محترف يبرع في التسديد على الهدف الحي أكثر بكثير من دريئة التدريب. ثم عدم اكتفائه بالقنص بل قيادته لكلاب المارينز إبان اقتحامهم الهمجي للبيوت العراقية سعياً وراء رائحة الزرقاوي.  

بنيت الأسطورة العسكرية للقناص خلال أربعة مراحل استقطبته فيها الحرب العراقية حتى الهوس المرضي المسعور، فكان يخسر جزءاً من إنسانيته في كل مرحلة، فيما سطوته كقناص لا يضاهى جعلته العدو رقم واحد للقاعدة. فيما الإعلام الأمريكي العنصري يسوق المهمة بوصفها إنقاذ القذارة (العراق) من الإرهابيين.

يبث الفيلم شذرات خفية من الامتعاض النخبوي الذي لون الهياج الشعبي بتعاظم غريزة الدفاع الأمريكية أثناء الحرب العراقية. فأثناء الجولة الثالثة لالتحاقه بالقتال في العراق يلتقي كريس أخاه الأصغر عائداً، فيشد من أزره مفتخراً، بينما الأخ المنهك يسخر بمرارة من لقب الأسطورة الملتصق بكريس، ناعتاً الحرب برمتها بوصف القذارة المقززة. لكن من جهة أخرى تتواتر المشاهد التي تعزز في المواطن رغبة البطل المنقذ، حين التقاء كريس بمارينز عائدين وامتنانهم لوجوده في حياتهم كمخلص من الأشرار. وتتأكد الفكرة مع نجاح كريس في تصفية المجاهد السوري القناص مصطفى، العدو الأول للأمريكيين في العراق. عندها يتأمل كريس مأثرته بغبطة مقدسة كمن يرتوي من نشوة القتل المبارك، ثم يقرر العودة إلى حياته الإنسانية في الوطن المنيع بفضل أمثاله.

العدد 1195 - 23/04/2026