تقييد الأسعار بين القرارات والقدرة على التنفيذ

متطلبات وصعوبات تواجه إلغاء تحرير أسعار المواد

 

هاهي ذي وزارة التجارة الداخلية تنتهج تقييد الأسعار، سعياً منها لوضع حد لشططها المتزايد في الأسواق، فقامت بإلغاء تحرير العديد من أسعار السلع والمواد، شملت مواد غذائية ومنظفات وغيرها. وعلى الرغم من التأخر في انتهاج هذا التوجه، فقد كانت الظروف السابقة أفضل لاتخاذ هكذا توجه، وقد نبهنا أكثر من مرة إلى ضرورة تقييد الأسعار في الأسواق وعدم تركها للعرض والطلب، لأن هذا القانون يصبح غير حقيقي في ظل الأزمات.

وبالطبع لا يخفى على أحد أن العودة إلى تقييد الأسواق، بعد أن كانت محررة يحتاج إلى متطلبات وآليات لإنجاح ذلك.. فهل تملك وزارة التجارة هذه الآليات؟

تقييد الأسعار يختلف بالطبع عما هو شائع عن التسعير الإداري، ذلك أن التسعير الإداري يشمل السياسة التي تتبعها الحكومة لإدارة سلع معينة أو خدمات معينة، تُقدّم للمواطنين بأسعار لا تعبر عن تكلفتها الحقيقية، بحيث تكون مدعومة من الحكومة، ومثال ذلك السلع الاستراتيجية مثل السكر والأرز التمويني. والسلع التي تخضع للتسعير الإداري، تحتاج إلى تدخل حكومي كبير في الأسواق وضخّ مواد وسلع وتوفيرها ضمن منافذ التدخل الإيجابي، بكميات تحقق منافسة حقيقية في السوق المحلية وكسر الأسعار..  في حين أن تقييد الأسعار يصدر بقرار حكومي أيضاً، ولكن التسعير يتم وفقاً لتكاليف مدخلات الإنتاج الخاصة بالمنتج أو السلعة، بحيث يتم دراسة تكاليف الإنتاج بشكل دقيق ودوري، وتحديد هامش ربح عادل لجميع الحلقات التجارية، وتحديث السعر دورياً وفقاً لتغيّر تكاليف الإنتاج. وبالطبع هذا الأمر يحتاج إلى كادر ضخم جداً لإجراء الدراسات اللازمة وتحديد التكاليف الخاصة بكل سلعة ألغي تحرير سعرها بالدرجة الأولى، ثم تأتي المهمة الأصعب وهي مراقبة السعر الذي حُدد للسلعة في جميع منافذ البيع في السوق المحلية.

إجازات الاستيراد.. تكاليف الإنتاج.. تداول الفواتير

وهنا لا بد من عرض أهم الصعوبات التي تواجه تطبيق تقييد الأسعار، وتتمثل هذه الصعوبات بالدرجة الأولى بمراقبة إجازات الاستيراد للسلع المستوردة ومنع المستوردين من التلاعب بها، ليوضع السعر الحقيقي للسلعة بعد ذلك عليها.. ويمكن ذلك بمقارنة سعر السلعة مع السعر العالمي، مع إضافة تكاليف النقل والشحن إلى المرفأ، إضافة إلى الوقوف على التكاليف الحقيقية لمدخلات الإنتاج الخاصة بالمنتج المحلي، ثم مراقبة تداول الفواتير بين مختلف الحلقات التجارية وعدم السماح لأي منها بالتلاعب بها، وخاصة أن الكثير من باعة المفرق حالياً لا يملكون فواتير نظامية من باعة الجملة وفق ما ذكره تقرير اللجنة الاقتصادية لمحافظة دمشق، بعد جولة أجراها على الأسواق، حيث لمس تفاوتاً كبيراً في الأسعار بين السلع المتشابهة مثل السمون والزيوت، على الرغم من أن السلعة لها الاسم ذاته والماركة نفسها، وهذا دليل على أن الفواتير التي تمنح لبائع المفرق أحياناً يتلاعب بها باعة الجملة، وييسجلون فيها أسعاراً مغايرة للأسعار الحقيقية للمادة، وهنا تأتي مهمة جهات حماية المستهلك في ذلك، لوضع حد لهذا التداول غير النظامي للفواتير.

كما أن تقييد الأسعار يحتاج إلى دراسة العديد من العوامل التي تدخل في تحديد سعر السلعة، فيجب دراسة كل سلعة على حدة، فالزيوت تختلف من نوع إلى آخر، سواء من حيث المصدر أو طرق الشحن وغيرها من العوامل.

سعر الصرف وصعوبات الإنتاج

ومن متطلبات إنجاح عملية تقييد الأسعار وعدم إحداث نوع من التخبط في الأسواق، هو استقرار سعر الصرف عند مستوى معين، لأن تذبذب سعر الصرف يومياً يعني إعادة تسعير السلع المستوردة والمحلية  على أساس السعر الجديد لسعر الصرف، وهذا من شأنه أن يربك التجار والجهات الرقابية وبالنهاية المستهلك، لذا فإن استقرار سعر الصرف يعدّ أمراً ضرورياً لإنجاح تقييد الأسعار.

كما لا بد من احتساب عناصر التكلفة بالنسبة للمنتج المحلي، سواء الصعوبات التي يتعرض لها الصناعي في توفير المواد الأولية للإنتاج أو بالنسبة للمشتقات النفطية الداخلة في تحريك عجلة الإنتاج مثل المازوت والكهرباء والفيول، كما لابد من أن يوضع في الحسبان احتساب الطرق والشحن وتكاليفه الحقيقية وليس بناء على الآراء، واحتساب التكاليف الأخرى التي يتكبدها الصناعي نتيجة الظروف الراهنة، مثل المستودعات التي قد يستأجرها في المناطق الآمنة لوضع بضائعه فيها، ولابد أيضا من وضع هوامش ربح عادلة لجميع الحلقات التجارية المختلفة، بحيث تعدل بنسب معينة وفق اختلاف العوامل السابقة.

تشريع جديد وعقوبات صارمة.. ومراقبة الأسعار

وبالطبع لا يمكن تحقيق تقييد الأسعار المحررة إلا بوجود تشريع جديد يضمن عدم تلاعب التجار بأي عنصر من عناصر التكلفة أو بالسعر النهائي أو بالمواصفات الخاصة بالسلعة، ويفرض عقوبات صارمة بحق المخالفين، لأن القانون الحالي لحماية المستهلك أصبح غير قادر على ضبط الأسواق والأسعار.

المهمة الأصعب التي تواجه وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في تطبيق تقييد الأسعار، هو مراقبة الأسعار بعد تحديدها، وبالطبع في حال نظرنا إلى الكوادر الحالية للمراقبين التموينيين، فإنهم لا يكفون لتغطية سوق واحد من أسواق دمشق، فتموين ريف دمشق لديه 22 مراقباً فقط لتغطية الأسواق، على الرغم من ضخامة الأسواق في ريف دمشق، فكيف على مستوى دمشق وباقي المحافظات الأخرى؟.. لذا لا بد من ضخ مراقبين جدد لمراقبة الأسواق، بحيث يكونون متخصصين ومدربين، لأن البقاء على العدد الحالي نفسه للمراقبين، يعني فشل عملية تقييد الأسعار بكل تأكيد وعدم التزام الباعة بالأسعار المحددة، كما أن المواطن لن يبادر للشكوى بشكل دائم، وأن اعتماد الجهات الرقابية على الشكاوى لن ينفع في ضبط الأسواق، فنؤكد أهمية توظيف مراقبين تموينيين جدد وبعدد يكفي لتغطية الأسواق كافة في كل المحافظات، لضبط تقييد الأسعار.

مع ملاحظة أن تطبيق تقييد الأسعار يجب أن يتم بشكل تدريجي وليس دفعة واحدة، مع تمييز السلع القديمة من السلع المنتجة حديثاً أو المستوردة، كما لابد من وضع هامش ربح عادل لجميع الحلقات التجارية، لأن تعرض التاجر للغبن قد يخرجه من السوق، وقد يحدث نوعاً من فقدان للسلع في الأسواق.

ومن الضروري أن يلمس المستهلك الفرق في الأسعار من حيث استقرارها أو الوصول إلى السعر الحقيقي للسلعة في مختلف منافذ البيع في الأسواق، فإلى الآن لم يلمس المستهلك أي فارق أو حتى تقارب في أسعار السلع بين المحلات التجارية، حتى بالنسبة للسلع الأساسية مثل السكر والأرز، إذ يوجد تفاوت في الأسعار وبنسب كبيرة، وهذا يتطلب كما ذكرنا سابقاً متابعة جميع الحلقات التجارية بدءاً من المستورد والمنتج وصولاً إلى بائع المفرق.

وكانت وزارة التجارة الداخلية أصدرت قرارات مؤخراً قيدت مجموعة من السلع الغذائية وهي (السكاكر بمختلف أنواعها، معلبات الكونسروة بمختلف أنواعها أيضاً، والمنظفات والصناعات التحويلية بما فيها الصابون ومعجون التنظيف، إضافة إلى المعجنات والمتة والمشروبات الطبيعية والصبغية والبوظة وكذلك المساحيق الغذائية)، كما ألغت سابقاً تحرير أسعار بعض المواد التموينية، ك(الشاي والبن والمياه الغازية والحلاوة)، وستعمل على إلغاء تحرير عشر سلع منها الألبسة.

وجاء على لسان معاون وزير التجارة محمود المبيض في أحد تصريحاته، أن الوزارة أعلمت التجار بضرورة التقيد بتقديم بيانات تكلفة سلعهم، حتى يتم التسعير بناءً عليها، مع منحهم هامش ربح يصل إلى 25% للمنتجات المحلية و18% للسلع المستوردة، أي أن الوزارة عادت بهوامش الربح إلى النسب التي كان معمولاً بها ما قبل انتهاج سياسة التحرير، وقد تختلف النسبة حسب نوع السلعة وتكاليف إنتاجها واستيرادها.

العدد 1194 - 15/04/2026