بين الحطب والكهرباء.. المواطن يبحث عن الدفء
ارتفاع أسعار المدافئ… والمازوت
يفرض البدائل… ولكن ماذا عن الأضرار؟
هاهو ذا الشتاء دخل في أشهره، وهاهي ذي المدافئ لا تزال إلى الآن مركونة في المنازل لم يستخدمها المواطنون أو حتى لا يفكرون فيها، خاصة ذوي الدخل المحدود.. ففي حال كان المواطن قادراً على شراء مدفأة المازوت أو كانت موجودة لديه سابقاً، فإن شراء مادة مازوت التدفئة أصبح صعباً للغاية، وخاصة مع ارتفاع أسعارها، فإلى الآن لا تزال عمليات التوزيع وخاصة في ريف دمشق تسير بوتيرة بطيئة جداً، حتى إن الوحدات الإدارية تقوم بتوزيع 150 ليتراً على الأسر وليس 200 لتر وبسعر 70 -75 ليرة للتر الواحد، أي أنها تخالف جميع القرارات الناظمة لعمليات توزيع المازوت على الأسر، سواء من حيث الكمية أو من حيث السعر النظامي للتر المازوت، وهناك صعوبة تواجه من لديه القدرة على شراء مازوت التدفئة، ليس لعدم توفر المادة فقط بل أيضاً نتيجة المحسوبية والواسطات والمعارف الشخصية التي تمارسها بعض الوحدات الإدارية على المواطنين، إذ نجد أن أقارب أعضاء المجالس المحلية حصلوا على مازوت التدفئة، في حين أن الكثير من المواطنين الآخرين حتى المهجّرين لم يحصلوا على لتر واحد من المازوت.
امتناع الكثير من المواطنين عن تعبئة مازوت التدفئة لارتفاع سعرها
الظاهرة الجديدة التي بدأنا نسمع بها هي أن الكثير من المواطنين، لم يعد لديهم القدرة على تعبئة مادة المازوت، فقد أوضح فرع دمشق للمحروقات في أحد التصريحات، أن 15% من مجموع الطلبات المسجلة على المازوت لم يستلمها المواطنون، لعدم قدرتهم على دفع ثمنها.. وفي آخر إحصائية بينت نقابة عمال النفط والثروة المعدنية بدمشق، أن عدد الطلبات المسجلة بمركز برزة بلغت 39 ألفاً، نُفّذ منها أكثر من 22 ألف طلب، وامتنع نحو 6 آلاف مواطن عن الاستلام، أما عدد الطلبات المسجلة في مركز غرب الميدان، بلغت 10400 طلب نُفّذ منها ثمانية آلاف طلب وامتنع نحو ألف مواطن عن الاستلام.
إذاً امتناع المواطنين عن التزود بمادة المازوت يعبّر بكل تأكيد عن ضعف قدرتهم المادية وحالتهم الاقتصادية وخاصة بعد رفع أسعار المازوت، ونعتقد أن المازوت تعتبر مادة أساسية للتدفئة ولن يستغني عنها المواطن إلا في حال كانت قدرته المادية تحت الصفر.. وهذا بالطبع ينذر بأن الأوضاع الاقتصادية لدى فئة عريضة من المواطنين باتت سيئة جداً نتيجة ارتفاع الأسعار الكبير الذي عمّ جميع السلع والمواد والخدمات، ونعتقد أن المواطن لم يستغنِ عن المازوت فقط، بل استغنى عن الكثير من السلع والمواد الأخرى واعتبرها غير ضرورية على الرغم من أنها ضرورية، وهذا الأمر يحتاج إلى تحرك حكومي لمعالجة ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين والتدخل لتلبية احتياجاتهم، ومكافحة التلاعب بالأسعار بالنسبة للمواد والسلع الأساسية، وتأمين مادة المازوت لغير القادرين على شرائها، إما بالتقسيط المريح وفق ضمانات معينة، أو عن طريق اقتطاع جزء من الراتب كل ثلاثة أشهر في حال كان موظفاً في القطاع العام.
العودة إلى الحطب
الكثير من المواطنين عادوا إلى الحطب، فهم منذ أشهر بدؤوا بتخزين الحطب في منازلهم حذراً من شتاء قارص، ولمعرفتهم المسبقة بأنه لن يكون لديهم القدرة على شراء المازوت، وبالطبع حتى الحطب لم يسلم من ارتفاع الأسعار، فقد بلغ سعر الطن 18 ألف ليرة، بعد أن كان 10 آلاف ليرة العام الماضي، في حين كان ب 7- 8 آلاف ليرة قبل عامين، كما لجأ الكثير من المواطنين إلى التدفئة على الكهرباء، حتى باتت ساعات التقنين تطول أكثر وأكثر، وخاصة في المناطق الجبلية مثل ريف دمشق الشمالي عدا عن الأعطال المتكررة نتيجة الاستجرار غير المشروع للكهرباء، وضعف الكهرباء، وهي لا تصل إلى المنازل إلا باستطاعة 170 فولت في الكثير من الأحيان، وهذا الضعف ناتج عن الاستجرار الكبير في الكهرباء.
المواطن حالياً لم يتجرأ على استخدام الغاز في التدفئة، لأن مادة الغاز أصبحت أيضاً مرتفعة الثمن على عكس الشتاء الماضي، لذا فإن خيارات التدفئة لديه أصبحت محصورة إما بالحطب أو الكهرباء، وبالطبع فإن التدفئة على الكهرباء تجري في الأغلب عن طريق الاستجرار غير المشروع، لأنه لن يتحمل فاتورة التدفئة على الكهرباء.
ارتفاع غير مسبوق في أسعار المدافئ
المدافئ هي الأخرى لم ترحم المواطن، فقد قفزت أسعارها بشكل خيالي لتتجاوز 100%، فبلغ سعر مدفأة المازوت 12500 ليرة، وهي ذات ماركة معروفة، في حين أن أقل مدفأة تعمل على المازوت سعرها يبلغ 8 آلاف ليرة، في حين كان سعرها الشتاء الماضي لا يتجاوز 4 آلاف ليرة، حتى (البواري) شهدت ارتفاعاً مخيفاً في أسعارها، فقد بلغ سعر المتر الواحد 425 ليرة و(الكوع) ب 400 ليرة أيضاً، أي أن المواطن ستكلفه مدفئة المازوت مع (البواري) الخاصة بها مالا يقل عن 15 ألف ليرة، في حال كانت المدفأة رخيصة الثمن، وربما أكثر من 20 ألف ليرة في حال كانت المدفأة من طراز معروف في السوق المحلية.
مدافئ الكهرباء التي زاد الطلب عليها نوعاً ما ارتفعت أسعارها هي أيضاً، فهي تبدأ من 1200 ليرة وهي الأرخص في الأسواق، في حين أن المدافئ الأخرى التي تحمل ماركة مسجلة فإن سعرها يصل إلى 3500 ليرة، وهي ذات ثلاثة مشعات، في حين أن هناك مدافئ كهربائية يبلغ سعرها 5200 ليرة، وهي تحمل أربع مشعات ومدافئ كهربائية موفرة للطاقة يتراوح سعرها ما بين 4000 إلى 5000 ليرة، وذلك حسب حجمها وعدد المشعات التي تحتويها.
كما لجأ بعض المواطنين خلال هذا الشتاء والشتاء الماضي أيضاً إلى ما يسمى ب(الحصر) الكهربائية، التي يتراوح سعرها بين 2000 و2700 ليرة، ولكنها تعتبر خطيرة من حيث استخدامها، لأن الكثير من حالات الحريق سجلت خلال الشتاء الماضي، نتيجة ماس كهربائي حصل بها، وهناك المدافئ المزودة بتقنية التوربين للهواء الساخن وذات الجودة العالية، إلا أن الطلب عليها يعد قليلاً جداً لأنها مرتفعة الثمن، إذ يتراوح سعرها ما بين 11 ألف ليرة ويصل إلى حدود 13 ألف ليرة، وذلك حسب الماركة ونوعيتها.
ووفقاً للعديد من البائعين والمصنعين، فإن ارتفاع أسعار المدافئ العاملة على المازوت والحطب والغاز والكهرباء، يعود لارتفاع تكاليف الإنتاج، فقد أشار أحد البائعين إلى أن تكلفة إنتاج المدفأة مرتفع جداً، فمعظم المواد الداخلة بالتصنيع مستوردة ومرتبطة بسعر الدولار، إضافة إلى ارتفاع أسعار الكهرباء والمازوت للمعامل والورش والأضرار التي لحقت بالعديد من الورش، والتي اضطر أصحابها لنقل منشآتهم لمناطق جديدة وتحملوا أعباء مادية كبيرة نتيجة لذلك، وبعضهم توقف نهائياً عن العمل، كما أن تكاليف النقل احتلت نسبة ليست بقليلة من التكاليف، إذ يتم إحضار بعض أنواع المدافئ و(البواري) من العديد من المحافظات مثل محافظة حمص.
أضرار بيئية وصحية ومادية.. والمواطن يبحث عن الدفء
بعد عرض السابق نصل إلى سؤال يحتاج إلى إجابة: كيف لذوي الدخل المحدود أن يحصلوا على الدفء خلال الشتاء؟ فجميع وسائل التدفئة والوقود الخاص بها أصبحت مرتفعة السعر لدرجة غير معقولة، حتى الألبسة و(الحرامات والشراشف الشتوية) ارتفعت أسعارها، وكذلك السجاد. وهنا لابد من الإشارة إلى ظاهرة في غاية الخطورة لوحظت الشتاء الماضي وهو تحول المواطنين إلى التدفئة على الحطب ولجوء تجار الحطب إلى قطع الكثير من أشجار الغابات الحراجية، وبالطبع فإن ذلك له منعكسات خطيرة على البيئة، كما أن اللجوء إلى الكهرباء في التدفئة له منعكسات سلبية صحية ومادية، وقد أوضحت دراسة سابقة قام بها المركز الوطني لبحوث الطاقة، أن استخدام المدافئ الكهربائية للتدفئة بدلاً من مدافئ المازوت سيزيد من تكاليف توليد الكهرباء وتوزيعها بالنسبة لخزينة الدولة إلى الضعف على أقل تقدير. وقد أشارت الدراسة إلى أن المدافئ الكهربائية ولاسيما التي تعمل بسلك معدني متوهج، وهي الأكثر شيوعاً واستخداماً نتيجة سعرها المنخفض بالمقارنة مع الأنواع الأخرى، لها أضرار على صحة الإنسان وجهازه التنفسي والقلبي، بسبب تأثيراتها المباشرة في فيزيائية الجو المحيط داخل الغرف والمنازل.