التحريض على سورية يأخذ منحى جديداً
بعد فشل مؤتمر جنيف 2 في وضع الأسس لحل الأزمة التي تعصف بسورية، وعدم الاتفاق حتى اليوم على موعد جديد لـ(جنيف 3)، ظن الكثيرون أن فراغاً سياسياً كبيراً قد حصل، وأن الإدارة الأمريكية- على وجه التحديد- لم تعد تولي هذه الأزمة الأهمية اللازمة في الفترة الراهنة على الأقل.. إلا أن الوقائع المعلن عنها وغير المعلن، تدحض هذا الاعتقاد، وكلها تشير إلى أن الموقف في سورية بشكليه الحالي والمتوقع، مايزال يشكل الهاجس الأكبر للولايات المتحدة التي ما انفكت لحظة واحدة عن استغلال حالة الجمود القائمة حالياً في سبيل تعديل ميزان القوى لصالح الإرهابيين في سورية، والدخول إلى جنيف 3 بقوة أكبر.
وتتوالى الفضائح تدريجياً لتكشف عن عمق الانغماس الأمريكي في الحملة العسكرية على سورية، وكان أبرزها فضيحة التنسيق الأمريكي – التركي بشأن استعمال السلاح الكيماوي في غوطة دمشق في العام الماضي، وإلصاق هذه التهمة كذباً بسورية، وتأتي كل البراهين لتؤكد مسؤولية الإدارات الأمريكية والتركية بالتعاون مع الإرهابيين في هذه الجريمة.. كما يلقي نشر هذه الفضيحة الضوء على احتمال أن يكون هذا الثلاثي المعادي يقوم الآن بعمل مماثل والتحضير لفعل إجرامي جديد يكون للسلاح الكيماوي دور فيه، مترافقاً مع حملة سياسية عالمية لتشويه سمعة سورية وإلصاق تهم كاذبة بها مرة أخرى، مما قد يشكل مبرراً لشن حرب واسعة ضدها من قبل أطراف عديدة مجتمعة.
وتتوالى الأنباء عن فضائح أخرى أهمها الاستمرار في توريد السلاح الأمريكي المتطور إلى المجموعات الإرهابية المسلحة الناشطة في سورية، ويتضح نفاق الإدارة الأمريكية بشكل مثير للسخرية، عندما تقول إن هذه الأسلحة إنما تذهب لأيادي الإرهابيين (المعتدلين)، وكأن هناك مجرماً إنسانياً ومجرماً غير ذلك، بينما العالم كله يعلم أن الأسلحة تذهب إلى المجموعات المسلحة التي أعلن الأمريكان أنفسهم أنها منظمات إرهابية.
وفي تطور لافت يدل على حجم التصعيد في الأزمة، ما أصبح معروفاً، وما أكدته صحيفة (وورلد تريبيون) الأمريكية في عددها الصادر في 11-4-2014 وقالت فيه: (إن الولايات المتحدة تضغط على إسرائيل لضرب الجيش السوري في مرتفعات الجولان، لحماية مسلحين دربهم جهاز الاستخبارات الأمريكيCIA في الأردن.. كما أعلنت مصادر أمريكية أخرى أن الأمريكيين يريدون من إسرائيل منع رتل عسكري سوري من الوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها المسلحون في الجولان، لاسيما الجهاديون الذين يتمركزون في الأردن، الذين تم تدريب أكثر من ألف منهم ضمن برنامج مموّل من السعودية.
إذاً، عنصر جديد وطرف جديد دخل المعركة، وهو التدخل المكشوف لإسرائيل، التي لم تكن غائبة لحظة واحدة منذ انفجار الأزمة في سورية حتى الآن، ولكن ظهورها الآن بشكل مكشوف هو الجديد في الأمر، وما يؤكده ذلك هو التعاون الأمني العسكري المعلن بين المجموعات الإرهابية والجيش الإسرائيلي، الذي ظهر من خلال احتلال العديد من المواقع السورية التي كانت ضمن خط وقف إطلاق النار وتحت نظر القوات الدولية المرابطة بها. وترى بعض المصادر أن أموراً كثيرة تظهر يوماً بعد يوم تشير كلها إلى احتمال أن تسعى إسرائيل إلى تكوين منطقة عازلة على الحدود مع سورية، على طريقة الخائن أنطون لحد في جنوب لبنان.. وليس التنسيق الحالي بين المجموعات الإرهابية وإسرائيل والسعودية وتركيا، الذي يجري بالتأكيد برعاية الولايات المتحدة، سوى برهان جديد على أن مستوى التصعيد في المنطقة يرتفع بشكل مستمر، ويتخذ كل يوم مظهراً جديداً.
وإذا أضفنا إلى ذلك كله الحرب الداخلية في العراق، التي تشبه في بعض ملامحها وتجلياتها ما يدور في سورية من حيث الدور الذي تلعبه المجموعات المسلحة في تمزيق أوصال العراق، وفي إشاعة الرعب والقتل فيه، يتبين لنا أن الإمبريالية العالمية وإسرائيل وبعض الرجعية العربية وتركيا ضالعون جميعاً في تفتيت المنطقة وتقسيمها إلى دويلات طائفية جاهلية وبدائية.
في مواجهة ذلك كله يجب أن تبني القوى الوطنية في أرجاء الوطن العربي سياستها، وهو ما يفرض عليها وحدة العمل وتصحيح أوضاعها الداخلية، وخوض المعركة ضد هذا الحلف الخطير، جنباً إلى جنب مع إجراء إصلاحات عميقة ديمقراطية وتقدمية في سورية، وفي أي بلد عربي يتعرض لمثل ما تتعرض له سورية.