النحات أكرم مصـطفى:الصخرة تناديني كي أجعلها تنطق

 عند زيارتك إلى الدريكيش التابعة لمحافظة طرطوس لا يمكن إلا أن يدعوك أحدهم لزيارة النحات أكرم مصطفى للاطلاع على إنجازاته في فن النحت، إذ يسعى دائماً كي يقدم توثيقاً تاريخياً فنياً لحقبة مشرفة للمنطقة ولأهلها، بل لسورية كلها من خلال تجسيد شخصيات سياسية واجتماعية وعسكرية ومن البيئة والطبيعة.

تشمل منحوتاته مجسّمات عديدة فيها مثلاً المجاهد الشيخ صالح العلي ورفاقه في الثورة السورية الكبرى وسلطان باشا الأطرش وجول جمال وصلاح الدين الأيوبي والشهيد علي محمد مصطفى والشهيد أمين دبرها، إضافة إلى عدد كبير من المجسّمات التي تحكي كل واحدة منها قصة إن لم نقل قصصاً متعددة.

عن البداية يقول النحات أكرم في حديثه لجريدة (النور): بينما كنت أعمل في تهيئة الأرض، لفت انتباهي أحد الجذور لشجرة الزيتون، وكان ملتفاً بين رجم من الحجارة، فقررت أن أجعل منه أفعى، وبالفعل عند عودتي بدأت العمل على ذلك، وفوجئت بالمنظر الذي انتهى إليه الجذر، ثم تتالت عمليات الحفر على الخشب في البداية، ثم حاولت في الصخر إلى أن وصلت إلى ما أنا عليه اليوم.

ويضيف أكرم: لم يتوقف عملي على لون واحد أو مجسّم واحد، بل حاولت أن أوثّق لكل شيء فكان لدي ما يشبه الحديقة التي فيها من كل الأزهار، وكما تشاهدون لدي تمثيل للواقع بكل مافيه من بشر وحجر وطي،ر لدي منحوتات تجسّد رجالات مرّت على تاريخ سورية كصلاح الدين الأيوبي وسلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي وشكري العسلي وجول جمّال ومن منطقتي منحوتات لشهداء حرب تشرين التحريرية كالشهيد محمد علي مصطفى والشهيد أمين دبّرها، فتقديم أعمال فنية بانورامية نحتية توثق جزءاً أصيلاً من تاريخنا يعتبر أمراً في غاية الأهمية، إلى جانب القيمة الفنية والسياحية التي تقدمها مثل هذه الأعمال وما تبثه من قيمة بصرية جمالية ومد فكري وثقافي في المحيط الذي تنجز فيه.

وحول تعميم هذه التجربة على أكثر من مكان في سورية يوضح النحات أكرم مصطفى أن الأماكن الجميلة في سورية كثيرة جداً خاصة في محافظة طرطوس التي تربى وعاش في طبيعتها، فهي مليئة بالجروف الصخرية الملهمة والصالحة للعمل النحتي البانورامي، وأنه يشعر على المستوى الشخصي أن الصخرة تناديه كي يجعلها تنطق مبيناً أن القيام بعمل فني نحتي بانورامي ضخم يتطلب وجود دعم مالي من قبل جهات  مؤمنة بالفن، ولكن على مايبدو هي غير موجودة حتى الآن.

وعن جدوى مثل هذه الأعمال في ظل الظروف التي نعيشها يؤكد أن الفنان قام عبر الزمن بصياغة التاريخ المعاش مع إضافات بصرية لونية ونحتية ومعمارية، مضيفاً: نحن اليوم نعمل لتقديم فن جميل يهذب النفوس، وأتمنى من خلال منحوتاتي أن أقدم للناس شيئاً ما يدخل إلى نفوسهم الطمأنينة والفرح. لم توقف الأزمة عمل النحات أكرم مصطفى رغم تأثره النفسي السلبي بها ولكنه حول ألمه أعمالاً فنية حضارية، فنحت ما يقارب 30 عملاً من الحجر والخشب خلال الفترة الماضية تحدث من خلالها عن الواقع بشكل جلي وواضح.

وعن حال الفن التشكيلي السوري اليوم يقول أكرم: تأثر الفن التشكيلي كغيره من الأمور في البلد نتيجة انشغال الناس بهموم الحاضر المؤلم، ولكن هذا الفن بقي جزءاً من رسالة سورية الحضارية ووجهها الجميل، مبيناً أن التشكيليين السوريين يصبون من خلال عملهم إلى مستقبل جميل لوطنهم، فهم في حالة اجتهاد وعمل دائم لتقديم التجارب الفنية الجديدة والأعمال المميزة للارتقاء بالفن المعاصر في ساحة التشكيل السوري.

ويرى النحات السوري أكرم مصطفى أن التفاؤل سيكون موجوداً دائماً لدى الفنان السوري ولن يغيب عنه مادام قادراً على تقديم الفن الحامل للحب والجمال والإنسانية بقيمها السامية، وهي القيم الحضارية التي قدمها الإنسان السوري عبر الزمن حتى يومنا هذا.

يعتمد النحات أكرم مصطفى الأسلوب التعبيري في أغلب أعماله ويحاول تجريب كل التقنيات ولا يجد ضيراً من التعامل مع الخامات المختلفة، فلكل عمل لونه ولغته وخامته وما يحمله في طياته من مضمون وخصوصية إلا أن لخامتي الحجر والخشب ما يميزهما لأنهما أبديّتي الوجود والبقاء، على حد تعبيره.

وعن المردود المادي الذي يحققه النحات من عمله يشير النحات صاحب التجربة الطويلة إلى أن الكثير من النحاتين السوريين يشاركون في ملتقيات خارجية ويتركون فيها بصمات مهمة، لكنهم لايحققون من خلال هذه المشاركات مردوداً مادياً جيداً بل يحققون مردوداً معنوياً، وهذا بالنسبة لي شيء يجب أن يكون للدولة ممثلة بوزارة الثقافة والسياحة دور مهم فيه.

وحول هوية الفن التشكيلي السوري يقول أكرم: إن الفن الحديث أخذ أغلب الفنانين بعيداً عن الهوية ولكن بقي بعض الفنانين السوريين يقدمون العمل الفني المميز، وفي المشهد العام قام الفن السوري بتبسيط هويته ومزج التراث بالمدارس الفنية الحديثة فقدم مضموناً جميلاً عن سورية واكتسب هوية خاصة به.

يختم النحات أكرم مصطفى الحديث بالتوجه إلى كل فنان سوري بأن يستمر في العمل والعطاء وأن لا يتوقف عند اتساع الهوة التاريخية الإنسانية الحاصلة اليوم، فردم هذه الهوة لا يكون إلا من خلال العمل الفني الحضاري الفكري القائم على مقومات الإنسانية والجمال.

بقي أن نقول إن أدوات النحّات أكرم مصطفى هي أدوات بدائية صنعها بيده لا تدخل الآلة فيها أبداً

العدد 1190 - 11/03/2026