الكبار يعملون.. والصغار يتمنون
إذا مرت العاصفة، سهل على الكبار مواجهتها، وصعب على الصغار الوقوف في وجهها، وبعضهم يسخِّر أجنحة العواصف لحمله نحو القمم، وبعضهم تكسرهم أية هبة ريح وتطحن نفوسهم لتذري رمادهم فيما بعد في كل اتجاه.. دون استثناء.. نولد صغاراً.. وحياتنا تبدأ بداية بسيطة، متواضعة، البعض يكبر، وتقوى عضلات عقله وأوتار قلبه، وبعضهم يبقى بسيطاً في أفكاره، متواضعاً في تقدمه وتطوره، وأحياناً يبقى في مكانه لا يتقدم ولا يتراجع، كأي صخرة أو حجر أصم.
وكل حياة حقيقية تبدأ من الكفاح والاجتهاد والمثابرة على فعل الخير، وعدم ازدراء من حولنا، وقوة الحياة لا تكمن في عضلات أصحابها ومناصبهم الكبيرة، بل في استخدام تلك العضلات والمناصب لمساعدة الآخرين ورفع قيمتهم، وذلك بالوقوف معهم وإلى جانبهم في السّراء والضراء.
إن القوة المبدعة، والبسالة والفروسية والنبل والشهامة ليست في خوف الآخرين منك، بل في خوفهم عليك ولعل أجمل شجاعة هي شجاعة الفكر، وأنبل صحوة هي صحوة الضمير.
وليس كل سائل يسهل بلعه، ولا كل طعام يُبلع قد يكون هضمه سهلاً على المعدة، ولا كل ضربة قوية تكسر إرادة الروح، وتصميم القلب.
والحرائق لم تمتد بعيداً لو لم تجد أن الحياة من حولها قش وهشيم، وكل عاصفة لم تهب لو لم تكن مدركة أن بعض الصغار حان رحيلهم مع غبارهم وأوراقهم اليابسة.
بعضنا يرى الورود جميلة، وديعة، وعطرها ينعش كل قلب، لكننا من جهة أخرى نغفل أو نتغافل عن رؤية البذرة المدفونة منذ شهور داخل عتمة الطين وظلمة التراب.
بعضنا كالبذار.. منها المنخور المريض .. ومنها السليم المعافى.
والمنخور سيبقى مدفوناً تحت الوحل، والسليم سيحول عتمة الطين إلى غذاء وطاقة، ليخرج ذات صباح كما تخرج سنابل القمح وتستيقظ ورود الحدائق مع إشراقة الشمس وطلوعها.
إن أية قوة أو خلق وإبداع لا يأتي بسهولة أو من لا شيء، بل هنالك استعداد وتحضير وتدريب ومراحل عصية ومضنية يعانيها المبدع الحقيقي والبذرة السليمة ليخرج كل منهما عطره إلى النور، وإبداعه إلى الوجود.
والإبداع الجميل يخفي أحياناً الألم والحسرة والمرارة والصبر (كما يخفي نور الشمس لهيبها) وثلوج الجبال القمة والبركان، ورقة النهر عمقه وفيضانه.
إن العمل المستمر، والاستعداد الصادق، والمثابرة على تحقيق ما تصبو إليه الروح، ويتطلع نحوه القلب، كل ذلك يسبق النتيجة النهائية لكل عمل مبدع، (مثلما يسبق الزهر الثمر) والغيم المطر، واللمعان صوت الرعد، والغليان ثوران البراكين، والسكون قدوم العاصفة.
(والعمل الصعب ليس سوى تراكم للأشياء السهلة التي لم نقم بها في الوقت المناسب، ومن يختر العمل المرهق فلن يجد منافساً له. والكبار دائماً لهم أهداف سامية يسعون لتحقيقها من خلال العمل، والصغار لا يجدون إلا النوم والأمنيات).