قوانين حماية المرأة في المصنفات فقط!

من الغرابة أن المرأة التي كانت هي الآلهة في بداية التاريخ البشري، حسبَ ما نُقل إلينا من أساطير وحكايات الأولين، صارت كائناً ضعيفاً يستحق الشفقة، في أغلب الظروف الطارئة على المجتمع التي لا تحترم إنسانية الإنسان أصلاً كالحروب والنزاعات والكوارث المختلفة التي تجتاح البشرية بين وقتٍ وآخر.

ومن الغرابة أكثر أن المرأة التي قيل عنها إنها وراء كل عظيم من الرجال، وأنها تهز العالم بيمينها كما تهز سرير الطفل بيسارها، تصير سلعة في تجارة الرقيق والاستعباد والاستغلال الجنسي في كل الأزمنة، وخاصة في أزمنة الحروب والكوارث، فنسمع عن عمليات السبي والاغتصاب والرق والجوع والتشرد، وإلى ما هنالك من ظروف استغلال وسوء تعامل بشع مع النساء.

بالطبع يتعرض الرجل كما تتعرض المرأة لكل أنواع القهر في ظروف النزاعات، ويصعب التفريق بينهما فيما يتعرضان له، فكلهما متحدان تحت اسم الإنسان الذي يلقى الذل والهوان في الكوارث بشكل عام….الحروب والنزاعات هي مأساة للإنسانية كلها، إن كانوا أطفالاً أم رجالاً أم نساءً، في المأساة لا يمكن التفريق بينهم بالخسائر النفسية والمعنوية أو المادية، فكلهم في محرقة القهر والعذاب سواء.

لكل حديث سبب، وسبب الحديث هنا هو وضع المرأة السورية التي اضطرت أن تنزح إلى خارج البلاد بسبب ظروف الحرب، ويحدث دائماً أن نسمع عن ظروف استغلال سيئة تتعرض لها هناك في أماكن تجمع النازحين وفي بلاد الإيواء، تلك الظروف القاهرة التي يستغلها البعض للتجارة الوسخة، تجارة الجنس والرق والأعمال الدونية التي تقهر النفس الإنسانية وتعذبها.

في المحافل الدولية أُنشئت، لنصرة المرأة بشكل خاص، المنظمات المدنية والحقوقية والجمعيات المتعددة، التي ترفع كلها شعارات الدفاع عنها، وامتلأت مصنفات تلك المنظمات والجمعيات بالقرارات والدراسات والتوصيات والمقالات ومحاضر برامج المهرجانات والخطابات والاتفاقات الدولية التي تشير إلى واجب مساعدة المرأة في ظروف النزاعات والكوارث.

والدفاع عن المرأة، هو ضمن قوانين الحماية التي توضع لحماية المدنيين بشكل عام، ضد آثار الأعمال العدوانية، التي تتبادل ممارستها كل الأطراف المتنازعة.

وكمثال أذكر من الاتفاقيات التي وضعت لحماية المرأة، ومن المفروض أن تستمد النساء الحماية منها، هي الاتفاقية الرابعة لاتفاقيات جنيف عام 1949 وبموجب هذه الاتفاقية لا يجوز الاعتداء على حياتهن وعلى سلامتهن البدنية، كالقتل والمعاملة القاسية والتعذيب أو أخذهن رهائن، أو الاغتصاب، أو الإكراه على الدعارة، أو أي هتك لحرمتهن وأعراضهن، وعدم إجراء أي أحكام عليهن ولو شاركن في النزاعات المسلحة دون محاكمات حقيقية عادلة.

ولكن في النتيجة ليس بمقدور تلك المنظمات سوى الإشارة من بعيد إلى تلك الظروف السيئة التي تواجه النساء، وتعداد المآسي التي يتعرضن لها، ولا يقدمون لهن سوى الإعراب عن القلق….القلق فقط، كما في التعبير الشهير لبان كي مون.

العدد 1184 - 28/01/2026