مخالفات وتجاوزات وعقود بالتراضي في اتحاد الفلاحين بطرطوس..!

عند الحديث عن المخالفات والتجاوزات وعمليات الفساد، تقفز إلى الذهن مباشرة المبالغ المالية الطائلة التي خسرتها خزينة الدولة كنتيجة حتمية لجشع البعض واستسهال السطو على المال العام، لتنفيذ مآرب قذرة وغايات شخصية منفعية تنعكس على أرصدتهم التي جنوها، بسبب تربعهم على كرسي المسؤولية لسنوات وسنوات، دون أن تُفتح دفاترهم القديمة ويُكشف ما كانوا يملكون قبل وصولهم إلى الكرسي.

ومادمنا نتحدث عن الفساد والمخالفات والتجاوزات، فلدينا في اتحاد الفلاحين بطرطوس مثال على ما نتحدث عنه، إذ لا بدّ أن نذكر أحد أعضاء هذا الاتحاد الذي وصل إلى الاتحاد بطرق ملتوية وغير صحيحة، مع معرفتنا بأنه وصل بأصوات بعض من ارتضوا أن يبيعوا أصواتهم بالمال العام الذي حصل عليه المذكور بأساليب غير صحيحة. وبالطبع فأنا لا أتجنّى عليه فأنا أعرف تاريخه جيداً، منذ أن دخل الجمعية الفلاحية في قريته، وكان كما يقال (إيد من ورا وإيد من قدّام)، والمذكور لم يكن يملك ثمن دراجة هوائية، وهاهو ذا الآن يملك الملايين ويتاجر بالعقارات وغيرها وغيرها.. فأسمح لنفسي بأن اسأله: من أين لك هذا؟!

بعد جولة من البحث في خفايا اتحاد الفلاحين بطرطوس، حصلنا على عدة وثائق هامة تكشف لنا الكثير من التجاوزات التي حدثت والتي كان لبعضها علاقة مع (م. أ) المروّج والمسهّل لقسم منها، علماً أن المذكور يحمل شهادة دراسة إعدادية، والمضحك المبكي أنه يشغل عدة مهام في اتحاد الفلاحين بطرطوس هي الهندسة الريفية والمرأة الريفية والتسويق والتدريب والتأهيل والعلاقات العامة، فهل عجزت طرطوس عن تعيين مهندسين زراعيين في هذه المهام، علماً أنه في طرطوس 2800 مهندس زراعي فقط، أكثرهم دون عمل كما ذكر لنا نقيب المهندسين الزراعيين بطرطوس؟! وقد يقول محتج بأنّه علينا أن نتذكر أننا نتحدث عن اتحاد الفلاحين، وكأن المهندس والمدرّس والحقوقي غير فلاح، فلماذا يصرّ البعض على أن يكون بين أعضاء اتحاد الفلاحين أشخاص لا يحملون شهادة الدراسة الثانوية على الأقل!

طبعاً يد الفلاح هي اليد المنتجة وهي اليد العليا التي تستحق منا كل الاحترام والتقدير لما تقدمه من خير وعطاء، وعندما يتم التعدي على هذه اليد المنتجة، فإن هذا يدعونا لوضع عشرات علامات الاستفهام والتعجب على استمرار من اعتدى عليها بالتربع على رأس عمله لكل هذه السنوات، فمن لجنة التسويق التي بقي على رأسها سنوات وسنوات حيث كانت المزاجية في التصنيف واستجرار الإنتاج هي المميزة لعمله، إلى قيامه بطريقة مشبوهة ببيع آلات معمل الأعلاف، في الوقت الذي تعاني فيه الثروة الحيوانية من نقص في كمية الأعلاف، إلى إعطاء موافقات بعشرات الآلاف من ليترات المازوت.. إلى الأسمدة التي سنفرد لها ملفاً خاصاً في أعدادنا القادمة!

لدينا عشرات الوثائق التي تدين عمل اتحاد الفلاحين بطرطوس، ابتداء بالأسمدة وتحويل عشرات الأطنان منها إلى المناطق الداخلية في عز الأزمة، وهناك من يقول بأن بعض هذه الكميات ذهبت إلى المكان الخطأ، ولكن هذا لا يعنينا، بل يعني الجهات المختصة التي عليها أن تدقّق في المناطق وأسماء الأشخاص الذين حصلوا على تلك الكميات، وصولاً إلى موافقات وشراء مواد غير صالحة مازالت في المستودعات، إضافة إلى قضية تحويل آلاف الليترات من المازوت (42 ألف ليتر خلال شهر واحد) لأشخاص وسماسرة وتجار أو لشركات وهمية، كما هو الحال بشركة (نماء)، بل سأفرد هذه المقالة لأعرّج على بعض القضايا التي وردت في تقرير الجهاز المركزي للرقابة المالية الوارد إلى اتحاد الفلاحين بطرطوس برقم1513 تاريخ 3/7 / 2013.

جاء في التقرير المذكور تحت عنوان النفقات ما يلي:

1- صُرف مبلغ 35.466ل. س بموجب سند قيد رقم 32 لقاء نفقات إصلاح وصيانة إضافة إلى نفقات أخرى. وقد وردت العبارة ذاتها في بند آخر، إذ صُرف مبلغ 33.764 ل.س لقاء نفقات ضيافة، فما هي هذه النفقات الأخرى التي لم يتم التصريح عنها!

2- صرف مبلغ 5000 ل.س لقاء أجر شاليه ومنامة لثلاثة أشخاص أعطيت للمدعو أمين عبد الكريم عباس، وقد تساءل القائم بالتفتيش إن كان يجوز استئجار شاليه للعاملين في الاتحاد؟!

3- وكذلك صُرف مبلغ 39.951ل. س المرفق بسند القيد رقم 190 لقاء نفقات مختلفة، فما هي هذه النفقات المختلفة؟ إلخ ليصل المحققون في النهاية إلى نتيجة مفادها أنه يتم الصرف دون تنظيم محاضر تركيب وتنسيق واستهلاك، خلافاً لما تنص عليه المادتان 52 و39 من النظام المالي والمحاسبي في التنظيم الفلاحي.. وبقراءة الكثير من الأرقام والمبالغ بعشرات الآلاف الواردة في التقرير نصل إلى شبه حقيقة عن تراكم الثروة بيد بعض العاملين في اتحاد الفلاحين بطرطوس.. وأنا هنا أود أن أسأل: إن كان هناك في قانون المحاسبة والتعامل بالمال العام بند يدعى (مصاريف مختلفة أو نفقات مختلفة أو نفقات إضافية)، فهل يعقل أن تكون فاتورة الغداء في مطعم المنارة بطرطوس لأحد أعضاء الاتحاد قبيل الانتخابات هي بحدود 60 ألف ليرة سورية؟ وهل دفعت الفاتورة تحت بند نفقات مختلفة أو نفقات إضافية أو ضيافة؟! وإذا كان الجواب بالنفي، فهل باستطاعة موظف عادي أن يدفع فاتورة غداء ما قيمته 60 ألف ليرة سورية من راتبه؟!

وبالعودة إلى التقرير، وتحت عنوان العقود يتحدث تقرير التفتيش عن عقد بيع بالتراضي بلا رقم تاريخ 1/11/2012 مع المتعهد سمير حمّوش بمبلغ 650 ألف ل.س لبيع آلات معمل جرش الأعلاف، ومن خلال التدقيق فيما ورد بالتقرير، نلاحظ أن هناك عملية فساد كبيرة ومخططة قامت بها لجنة تضم مسؤولاً مالياً وحقوقياً ويرأسها المدعو (م. أ) الذي يحمل الشهادة الإعدادية، فقد قام بإفشال المزايدة لعدة مرّات، لعدم الوصول إلى الرقم السري الذي وضعه المذكور، والذي يقل بكثير عن القيمة الحقيقية للآلات الموجودة في المعمل.. إذ أبلغني أحد العاملين في الاتحاد بأن ثمن مولدة الكهرباء الموجودة في المعمل يزيد على المليون ليرة، فضلاً عن بقية المعدات والتجهيزات، فتخيلوا معي أن الرقم السري الذي وضعه (م. أ) ولجنته كان في البداية هو 290 ألف ليرة سورية، فهل يقوم عاقل بوضع رقم كهذا إلاّ إذا كان يبيّت أمراً ما؟!

المهم.. المعمل بيعَ في النهاية بعد أن وصل السعر إلى 650ألف ليرة سورية، وهو الرقم الذي عرضه أحد المتقدمين للمزاد، ليخلص تقرير التفتيش، إلى أنه تم وضع الرقم السرّي بشكل اعتباطي ودون دراية بالقيمة الحقيقية والواقعية للمواد المعروضة، فقد تم تعديل الرقم السري أو الحد الأدنى المقبول استناداً إلى المبالغ المالية المقدّمة من العارضين، فتخيلوا هذا المزاد، وتخيلوا حجم الصفقة التي تم من خلالها بيع المعمل وخسارة خزينة الدولة لمئات الآلاف من الليرات السورية، وقدكانت خزينة الدولة في أمسّ الحاجة إليها في هذه الظروف! وكم هي ثروتنا الحيوانية بحاجة لأعلاف هذا المعمل!! فلماذا بيع؟ ولمصلحة من؟ ومن هم المسؤولون الآخرون المتواطئون في الصفقة؟! وعندما نعرض منشأة ما للبيع، وتكون ملكاً للدولة، لا يحق لنا التكيّف بقيمتها، فهل ننتظر الرقم الذي يضعه المتقدم والذي سيكون بالتأكيد لصالحه مئة في المئة، أم نقوم بتشكيل لجنة لديها الخبرة والدراية الكافية بقيمة المنشأة والتجهيزات الموجودة فيها، ثم نضع الرقم السرّي بناء على قرار هذه الخبرة؟! إن أي عاقل يدرك أن هذه العملية تفوح منها رائحة كريهة، أقل ما يقال فيها إنها سرقة وتواطؤ مع أحد المتقدمين لشراء المعمل وهو المدعو سمير حمّوش!

وتحت بند المستودعات: ذكر التقرير أنه في بعض المستودعات مواد قديمة وراكدة مستجرّة منذ عدة سنوات وهي عديمة الحركة، بسبب التلف وبسبب تغير النموذج، فقد وجد في مستودع الصناعة 236جوان صدر 500 جوان كارتر 59رأس مضخة، فكيف استُجرت هذه المواد، ولماذا لم تبع قبل تلفها؟ ومن المسؤول عن ذلك؟!.

وفي مستودع (المشبكة) وجدت مواد وقطع لآليات عديمة الحركة ولا يمكن بيعها، لعدم وجود آليات تركب عليها في المحافظة، نذكر منها ميل اكسنتريك 7 ومسننات اكسنتريك 7 وبطيخة دولاب .3. وهنا نسأل: لماذا تم استجرارها مادام لا يوجد في المحافظة آليات تركب عليها هذه القطع؟ ولحساب من؟ وماهي المصلحة من شرائها؟ وكيف تمت الموافقة ومن المسؤول؟! إضافة إلى وجود مواد راكدة لا يمكن بيعها، بسبب ورودها بقياسات مخالفة لمثيلاتها في السوق، نتيجة عيب من بلد المنشأ وتحتاج إلى تعديل ليتم بيعها.. وهنا نسأل المعنيين في الاتحاد العام واتحاد الفلاحين بطرطوس عمّن قام بشراء هذه المواد التي تحمل عيباً من بلد المنشأ؟ ولمصلحة من؟ وبموافقة من؟ وكيف تم السماح بإدخالها إلى المستودعات وهي على هذه الحالة؟!

ومادمنا في رحاب اتحاد الفلاحين بطرطوس، فقد ورد في تقرير الرقابة تحت بند الموازنة: بلغ التجاوز فيما يتعلق بمعصرة الزيتون 129.923ل.س، بسبب استئجار مولدة إضافية! وبلغ التجاوز في مشروع الفوار 108.529ل.س، بسبب الزيادة في فواتير الكهرباء!. وهناك تجاوز يتعلق بمحطة المحروقات قدره 75.619ل.س، بسبب استئجار مولدة، أي أن مجموع التجاوزات بلغت 314.071ل.س،طبعاً هذه التجاوزات في الإنفاق بين المقرر والفعلي حصلت دون موافقة الاتحاد العام للفلاحين، ودون إجراء المناقلات اللازمة لتغطيتها.. وهنا نطرح عدة أسئلة عن الاستهلاك الحقيقي، وعن صحّة الأرقام وعن السبب الذي حال دون إعلام الاتحاد العام للفلاحين بذلك، ومن المسؤول عن ذلك؟!

وتحت عنوان (المديونون – معاملات مشروع الفوار) هناك مبلغ 584.378ل.س ديون قديمة ومتراكمة منذ عدة سنوات، وهي أجور سقاية مترتبة على الفلاحين لم تُسدد حتى تاريخ التفتيش، وهناك مبلغ 210.800ل.س لمصرف التوفير الشعبي، ومبلغ 719.490ل.س تأمينات لدى مؤسسة الكهرباء، وهي مترتبة على مؤسسة الكهرباء منذ عدة سنوات، ومبلغ58.997ل.س لمؤسسة الإسكان العسكرية، ومبلغ37.275ل.س للمستثمر حسن كامل خدام الذي يوجد دعوى قضائية ضدّه، ولو قمنا بجمع المبالغ الواردة في التقرير لكان المجموع 1.635.940ل.س ليصل التقرير إلى سؤال نكرره: ماهي ماهية هذه الحسابات؟ ولماذا تم وضعها تحت حساب المدينون ولم يتم وضعها تحت حساب الأموال الجاهزة؟ ولمصلحة من؟ ومن المسؤول؟!

أخيراً مادمنا نتحدث عن الفساد وعن خطره على المجتمع وعلى الدولة، فإننا نعد القارئ الكريم بفتح ملفات بيع الأسمدة في الأعداد القادمة، والموافقات في الاتحاد، وتمرير آلاف الليترات من المازوت لتجار وسماسرة وشركات وهمية، ونحن نملك الوثائق التي تؤكد ما كتبناه، وما سنكتبه لاحقاً.. وستبقى سيوفنا مشرّعة في وجه الفساد والفاسدين، وسنسألهم بأعلى ما نملك من صوت وحب لهذا الوطن: من أين لكم هذا؟! وماهي ثروتكم وأملاككم قبل تربعكم على كرسي المسؤولية؟! سؤال أعتقد أننا في أمسّ الحاجة لطرحه الآن، كي نخطو الخطوة بالاتجاه الصحيح؟!

العدد 1194 - 15/04/2026