الأحداث الأليمة في العراق تكشف ازدواجية المعايير
تتسارع وتيرة الأحداث في العراق تسارعاً مذهلاً، منذ اجتياح إرهابيي (داعش) شمال العراق، وسيطرتهم السريعة وغير المنطقية على محافظة نينوى وعاصمتها مدينة الموصل، خلال بضع ساعات فقط، ثم تمدّدهم عسكرياً باتجاه محافظات صلاح الدين والأنبار وديالى في وسط العراق وغربه، وصولاً إلى تخوم العاصمة بغداد. ورغم ما أثاره هذا الاجتياح وسرعته وأدواته من قلق عراقي وإقليمي ودولي، فإن ردود الفعل تجاهه من جهة، وكيفية مواجهته من جهة ثانية، يطرح التساؤلات حول حقيقة ما يجري وحول مواقف الدول منه ومن تبعاته.
وكما أظهر هذا (الاجتياح) الإرهابي ضعف ولاءات المؤسسة العسكرية وتعددها وواقعها عموماً، فقد أكد هشاشة التجانس الديمغرافي الإثني والمذهبي أيضاً، ومسؤولية سنوات الاحتلال الثماني عن تغذيته وتقويته، وصولاً إلى عراق تتصارعه الخلافات المذهبية وانعكاساتها الكارثية على وحدة العراق أولاً، وجواره ثانياً.
وتزداد حراجة الموقف الراهن ودقته في العراق، من أنه يندرج في سياق الأوضاع القائمة في المنطقة وتفاعلاتها، إذ لم تأت هذه الأحداث في العراق بعيدة عما شهده مؤخراً، وبخاصة الانتخابات البرلمانية ونتائجها، كذلك التطورات السورية، وبخاصة الإنجازات الميدانية المتلاحقة للجيش العربي السوري، وما يمثله، ونجاح سورية في إجراء استحقاقها الرئاسي ونتائجه.
في الوقت الذي يؤكد فيه الاجتياح (الداعشي) في العراق، ومدلولاته وأهدافه وطبيعة الردود الإقليمية والدولية تجاهه، حقيقة المواقف من الإرهاب الدائر في المنطقة، والمتلطية بـ(لافتات التغيير والديمقراطية)، بما سمي (ثورات الربيع العربي)، وصولاً إلى إقامة إمارات إسلاموية متشددة، تقسم ما هو مقسّم استعمارياً، وتفتيته خدمة لمصالح الدول التي تعارض الاستقلال الحقيقي لدول المنطقة، والتي عملت وماتزال على تكريس تبعيتها وارتهانها لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وتوجهاتهما.
فالقلق الذي أبداه (الغرب) عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، تجاه الأحداث العراقية وخطورتها، يظهر ازدواجية المعايير التي يتبعها، وخاصة في منطقتنا، ووضعه مصالحه فوق كل اعتبار، وتالياً تساوقه مع مشروع الجهاديين التكفيريين والظلاميين، الذين ساهم هذا الغرب نفسه ولايزال في قيامهم وفي دعمهم، ومباركة مشاريعهم، مادامت تخدم مصالحه، رغم مخاوف (النظرية) المعلنة، من التطرف والإرهاب وتبعاته في المنطقة وخارجها.
ويكفينا هنا الإشارة إلى الدعم (النظري) الغربي فقط حتى تاريخه للعراق، في مواجهته الإرهاب والتطرف، وفي الوقت نفسه استمرار دعمه وتسليحه في سورية (معتدلاً) كان أم ظلامياً، بأسلحة (فتاكة) أو غير (فتاكة).. إذ تسعى هذه الدول إلى الاستفادة القصوى حالياً من الأوضاع العراقية، في محاولة منها للعودة إليه مقوننة ومشرعنة من النافذة، بعد أن خرجت ولو بشكل غير كامل، من الباب الواسع. وطرح مسألة مواجهة الإرهاب في العراق، في سياق المزايدات والشروط المطلوب من العراق الموافقة عليها، وفي مقدمتها عودتها الرسمية إلى العراق، وتغير معلن لتوجهاته وطبيعة علاقاته، وبخاصة مع دول الجوار العراقي.
وفي هذا السياق ينظر يخصوصية وتقدير إلى مواقف العديد من الدول العربية والإقليمية التي أكدت أن الإرهاب الذي يضرب العراق حالياً، تتجاوز مشاريعه العراق وحدوده الجغرافية، ويشكل خطراً عليها جميعاً. كذلك إلى المواقف الدولية الإيجابية، وبخاصة موقف روسيا، التي أكدت مجدداً على لسان رئيسها فلاديمير بوتين وغيره من المسؤولين الروس، الضرورة الدولية للاتفاق على تحديد ماهية الإرهاب وآليات مواجهته.. وبالتالي عدم التعاطي معه بالمجزأ، بل بوصفه حركة ظلامية تهدد راهناً المنطقة، وتالياً العالم بأسره.
إن الإرهاب المتطرف لا حدود جغرافية وطنية له. كذلك تشدق الوكلاء الإقليميين و(العربان) بالديمقراطية التي يفتقدون أبجدياتها، ودعمهم اللوجستي للتطرف والظلامية وأدواتها في الدول المجاورة.
وإن نظرية (دعهم يتقاتلون)، و(دع أزماتهم تستمر، مادامت تضعفهم وتقسمهم)، سترتد على أصحاب هذه النظرية، عرباً وأمريكان وغيرهم، وبخاصة هذه الدول الدائرة في فلك التخلف الاجتماعي والتبعية والارتهان. وقد كشفت أحداث العراق الأليمة، مرة أخرى، زيف التعاطي (الغربي) مع الديمقراطية والتغيير وحقوق الإنسان.. إلخ، فما يجري يمثل خطراً على المنطقة بأسرها، وبضمنها من يحاول استخدام ما يجري في العراق، تكراراً للمواقف السلبية من الأزمة السورية، وجوهره إشغال هذه الدول بأوضاعها الداخلية، على حساب الدور المفترض لها في المنطقة، وانعكاساتها على الحسابات الإقليمية والدولية. وإن الحديث عن مسؤولية الواقع العراقي الراهن، عرقياً ومذهبياً، عما يجري على أراضيه ويهدد كيانه، وتأكيد تشكيل حكومة عراقية توافقية جامعة، وممثلة لأطياف الشعب العراقي، يشكك عملياً في نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، ويكرر التعاطي (الغربي) السلبي مع الحالة السورية، منذ بدء أزمتها، ويتخذ ذريعة لاستمرارها، كذلك استمرار وكلائها في المنطقة في تنفيذ مخطط إضعاف الدول الفاعلة تقليدياً في المنطقة.