الواقع الصحي في مدينة حلب
يعتبر القطاع الصحي من القطاعات التي استهدفتها العصابات المسلحة منذ بداية الأزمة السورية، وقد دفع الكثير من العاملين فيه دماءهم، ودُمر الكثير من بناه التحتية وتجهيزاته نتيجة هذا الاستهداف.
وفي محاولة لتبين الواقع الصحي في محافظة حلب وإلقاء الضوء على جهود العاملين فيه، قمنا بمقابلة السيد مدير صحة حلب الدكتور محمد حزوري، وكان لنا معه الحديث التالي:
– في ظل استمرار ظروف الأزمة يواجه القطاع الصحي في مدينة حلب مجموعة من الضغوط والتحديات التي تهدد عمل هذا القطاع بجميع تفاصيله، ماهي أهم هذه التحديات؟
** بداية لابد من الإشارة إلى أن الأزمة التي يمر بها القطر وما يتعرض له من تدمير ممنهج من قبل المجموعات الإرهابية المسلحة للبنى التحتية، أصاب أيضاً قطاع الصحة وهو القطاع الحيوي الذي يقدم خدماته الطبية والعلاجية لكل شرائح المجتمع، وبالرغم من هذا التخريب بقيت مديرية الصحة في حلب تقدم خدماتها من خلال المرافق الصحية الباقية والتي تعمل بأقصى جهد ممكن واستنفار دائم لكل الطواقم الطبية والفنية، وجواباً عن سؤالكم فإن أهم التحديات في القطاع الصحي هي:
1ـ لقد خرج من الخدمة:
6 مشافٍ عامة من أصل 16، و56 مشفى خاصاً من أصل 103، و73 مركزاً صحياً من أصل204، و8 عيادات شاملة من أصل 13، و6مراكز تخصصية من أصل12، و5 نقاط طبية من أصل 7، الأمر الذي تسبب بانخفاض المؤشرات الصحية في المحافظة انخفاضاً حاداً وبنسب واضحة من ناحية عدد الأسرّة وعدد المراكز الصحية التي تقدم خدمات الرعاية الصحية الأولية والتخصصية.
2ـ خروج منظومة الإسعاف من الخدمة منذ أكثر من سنة ونصف وفقدان خدمة الطوارئ وتزايد عدد الإصابات بالشظايا والطلقات النارية نتيجة لتردي لأوضاع الأمنية في أرجاء المحافظة كافة.
3ـ ضعف خدمة التواصل والاتصال بين مختلف مناطق المحافظة وخاصة مع الريف وبين شطري المدينة، مما تسبب بنقص أو بصعوبة وصول البيانات وعرقلة تقديم الخدمات الطبية والصحية وصعوبة ضبطها والإشراف عليها.
4ـ تزايد معدلات الإصابة بالأمراض البيئية المزمنة المترافقة مع ظاهرة النزوح والتكدس السكاني التي أفرزتها الأزمة.
5ـ إصابة الجانب الاستثماري بحالة من الجمود بسبب ظروف الأزمة ونتيجة لوقوع المشاريع الاستثمارية في مناطق ساخنة غير آمنة بالتزامن مع التضخم المالي وارتفاع الأسعار وتغير الأولويات، إضافة إلى تعرض أغلب المنشآت والمرافق الصحية لأعمال تخريب طالت الأبنية والمعدات والآليات والتجهيزات والمواد الطبية.
6ـ ارتفاع عامل الخطورة في النقل والانتقال ضمن المحافظة ومع بقية المحافظات، ما تسبب بضعف طرق الإمداد الطبي والدوائي، إضافة إلى صعوبة وصول متلقي الخدمة الصحية ومزوديها إلى المشافي والوحدات الصحية نتيجة الأوضاع الأمنية المتردية التي تشهدها المحافظة مدينة وريفاً لفترة تقارب السنتين.
7ـ ارتفاع احتمالات تزايد المرض وانتشار الأوبئة بالتزامن مع ضعف عمل القطاعات الخدمية الأخرى مثل (الكهرباء ـ المياه ـ الاتصالات ـ التعليم ـ الطرق ـ البيئة..)
– كيف استطاع القطاع الصحي بحلب التعامل مع هذه الأزمة الخانقة وتجاوز الضغوط؟
لقد توفرت في هذا القطاع مجموعة من نقاط القوة التي سمحت له بالصمود في وجه التحديات التي تعرض لها، ومن أهمها:
1ـ وجود بنية تحتية معقولة في المحافظة من مشافي عامة وخاصة وهيئات مستقلة ومراكز صحية تعمل بإشراف وزارتي الصحة والتعليم العالي تهدف لتقديم الخدمة الطبية والرعاية الصحية للمواطنين.
2ـ استمرار الدعم الممكن من الإدارة المركزية لوزارة الصحة على صعيد تأمين الأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية ما ساهم في استقرار المخزون الاستراتيجي الدوائي لمديرية صحة حلب خاصةً وللقطاع الصحي عامةً، أثناء حصار المدينة وانقطاع طرق الإمداد الدوائي من معامل الأدوية من ريف محافظة حلب ومن بقية المحافظات.
3ـ تضافر جهود المديرية بالتعاون مع الهلال الأحمر وهيئات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية العاملة في مجال الصحة، إضافة إلى المنظمات الدولية وغير الحكومية التي ساعدت بتقديم الرعاية الصحية خاصة في المناطق غير الخاضعة للسيطرة الحكومية.
4ـ استمرار تزويد المشافي العامة والخاصة بالكميات اللازمة من الوقود الضروري للمولدات لاستمرار عمل المشافي بالحدود المعقولة.
5ـ تعدد حملات اللقاح وخاصةً لقاح شلل الأطفال تحت عمر الخمس سنوات (6 حملات متتابعة) وذلك بالتنسيق بين مديرية صحة حلب والوزارة واليونيسيف، بهدف ضبط انتشار العدوى بشلل الأطفال وخاصةً في ريف المحافظة وبقية المناطق غير الآمنة وتجمعات الإيواء.
6ـ استمرار نشاط القطاع الصحي الخاص على صعيد المشافي في تقديم الخدمات الصحية رغم الظروف الصعبة والمعيقات الكثيرة لعمل هذا القطاع.
– ماهي أولويات المرحلة القادمة؟
تنحصر في النقاط التالية:
1ـ الاستمرار في تأمين المواقع البديلة للمنشآت التي خرجت من الخدمة وخاصةً المشافي والمستودعات الرئيسية (من خلال تجهيز مبنى الأورام).
2ـ تخطيط إعادة إعمار القطاع الصحي في المحافظة بناءً على أسس ومؤشرات حقيقية تدعم مبدأ العدالة في توزيع الخدمة الصحية ومن خلال سياسات تمويل مرنة وعادلة تؤدي لإقامة مشاريع ذات جدوى اجتماعية واقتصادية.
3ـ ترميم الكادر الطبي والفني والخدمي في مديرية الصحة اعتماداً على ذوي الكفاءات من جيل الشباب.
4ـ إعادة هيكلة القطاع الصحي العام والخاص والمشترك وتمويله بناءً على أسس علمية صحيحة مع وجود فرصة لخلق تأمين صحي حقيقي يخدم المواطن من خلال تغطية شاملة وفق تمويل واضح وعادل.
ويجدر الإشارة إلى دعم الإدارة المركزية في وزارة الصحة وتعاونها وتجاوبها مع احتياجات مديرية صحة حلب من خلال:
1ـ استمرار دعم مديرية الصحة بالمستلزمات الطبية والدوائية وخاصةً أدوية الأورام وأدوية الأمراض المزمنة واللقاحات، وقد وصل مؤخراً إلى مديرية صحة حلب 50 طناً من الأدوية والمستلزمات الطبية تتضمن اللقاحات وأدوية الأورام وأدوية الأمراض المزمنة (السل ـ السكر ـ التصلب اللويحي ـ..).
2ـ استمرار الدعم بالتجهيزات الطبية الضرورية لضمان تواصل تقديم الخدمات الطبية والصحية كماً ونوعاً، وقد وصلت إلى المحافظة شحنات متعددة من التجهيزات الطبية، آخرها شحنتان في شهري ك2 وشباط من هذا العام، ومما تضمنته:
جهاز طبقي محوري متعدد الشرائح (أصبح قيد الاستخدام) ـ جهاز تنظير قوسي ـ 8 أجهزة تنفس صناعي ـ 3 أجهزة تخدير كاملة ـ جهازي إيكو دوبلر وعائي ملون ـ جهاز إيكو عام ـ جهاز إيكو نسائي ـ جهاز صدمة ـ وحدتا فحص عينية ـ 6 سيارات إسعاف ـ 20 جهاز غسل كلية) بالإضافة إلى لزوم غسل خمس آلاف جلسة غسيل كلية.
3ـ تسهيل إكساء مبنى الأورام في المحافظة وتجهيزه ليخدم كمقرّ بديل للمشافي والهيئات التي خرجت من الخدمة بفعل الأزمة.
– ماهي الخدمات المقدمة من مديرية الصحة في محافظة حلب؟
يمكن تلخيصها فيما يلي:
1ـ تقديم خدمات الرعاية الطبية من خلال المشافي والهيئات المستقلة التي هي ضمن الخدمة (الرازي ـ التوليد ـ الباسل لجراحة القلب ـ الكلية الجراحي ـ زاهي أزرق (كوادر المشفى موجودة لكن المشفى تحت سيطرة المسلحين ـ الباب الوطني ـ الباسل منبج)
2ـ تقديم خدمات الرعاية الصحية في المشافي والهيئات التي خرجت من الخدمة في مواقعها البديلة (العيون التخصصي في موقعه البديل مشفى ابن رشد ـ زاهي أزرق في مشفى الرازي ـ إبن خلدون في مبنى الليشمانيا ـ مجموعة عيادات أخرى في مراكز الإيواء والجمعيات الخيرية ـ الأطفال التخصصي في الرازي والتوليد وابن رشد).
3ـ تقديم الرعاية الصحية التخصصية من خلال المراكز التخصصية التي ضمن الخدمة في مواقعها الأصلية (الليشمانيا ـ التلاسيميا ـ العناية بالثدي ـ طب الفم وتقويم الأسنان ـ الجلدية ـ السكري) إضافة إلى الخدمات المقدمة في المراكز التخصصية التي خرجت من الخدمة في مواقعها البديلة (الطبابة الشرعية في مشفى جامعة حلب ـ لجنة فحص العاملين في الصحة المدرسية ـ فحص السائقين في القصر البلدي ـ المعالجة الفيزيائية في مركز التدريب والتأهيل في الحمدانية ـ مكافحة السل في مجمع ابن رشد) إضافة إلى خدمات مركز الباسل للتصوير الشعاعي ومركز التشريح المرضي والسجل الوطني للأورام في مجمع ابن رشد.
4ـ استمرار خدمة المراكز الصحية والعيادات الشاملة التي ضمن الخدمة وعددها 11 في المدينة و124 في الريف، ويتم التركيز على تقديم خدمات اللقاح والصحة الإنجابية، إضافة إلى خدمات المعالجة السنية والأمراض المزمنة كالسل والسكري والليشمانيا، علماً أن الخدمات تقدم بشكل كامل أو جزئي تبعاً لوضع كل مركز صحي على حدة.
5ـ تقديم الخدمات الطبية والصحية للمواطنين النازحين في مراكز الإيواء التي وصل عددها إلى 18 تجمع إيواء، بحيث يتم تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية إضافة إلى المستلزمات الطبية والدوائية اللازمة.
6ـ رصد الأمراض السارية وتقصيها من خلال نظام الإبلاغ المبكر عن الأمراض (EWARS) المعتمد من قبل وزارة الصحة وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، تفادياً للأوبئة والجائحات التي قد تنتشر في ظل الظروف الراهنة.
7ـ المساهمة مع القطاعات الأخرى المعنية بالصحة كالهلال الأحمر وبقية المنظمات الدولية والمشاركة مع الجمعيات الأهلية والمنظمات الشعبية من أجل تحقيق التكامل فيما بينها لتحسين خدمات الرعاية الصحية والطبية المطلوبة كماً ونوعاً.
– ما هو الواقع الحالي للمراكز الصحية؟
بالنسبة للمراكز الصحية لايزال في الخدمة 121 مركزاً من أصل 172 و3 عيادات شاملة من أصل 6 تقدم خدماتها الأساسية مع التركيز على خدمة اللقاحات وبقية برامج الرعاية الصحية الأولية، مع الإشارة إلى ضبابية عمل بعض المراكز في المناطق الساخنة من ريف المحافظة، أما بالنسبة لمشافي الريف فيعتبر مشفى إعزاز من المشافي المتضررة كلياً وخارج الخدمة، أما بالنسبة لمشفى الباب الوطني ومشفى الباسل منبج فلا يزالان ضمن الخدمة وتعمل جزئياً بالرغم من تضررها، إضافة إلى صعوبة الاتصال والتواصل مع أغلب المناطق الريفية في المحافظة.
بينما يعتبر كل من (مشفى الكلية الجراحي، مركز الباسل لجراحة القلب) من الهيئات المستقلة عن وزارة الصحة وتمارس عملها بإشراف مديرية صحة حلب بحيث يتحقق التكامل في تقديم الخدمة الطبية التخصصية، إلا أنها تأثرت بظروف الأزمة كباقي مواقع ومشافي مديرية الصحة، ولا تزال تقدم خدماتها العلاجية والجراحية لكل شرائح المواطنين.
– ما هو الوضع بالنسبة لمعالجة الأمراض المزمنة؟
إن أدويتها متوفرة ولم تنقطع أبداً بالرغم من كل الظروف، وقد حرصت المديرية بالتعاون مع الوزارة والجهات المعنية على توصيل هذه الأدوية للمحافظة، وربما حصل في فترة من الفترات صعوبة في طرق الإمداد إلا أنه بتضافر الجهود أمكن تلافي هذا العائق وتأمين الأدوية للمواطنين.