أوراق من مفكرة نازح سوري (1)

سوري ويعيد… عبارة كتبها مرة المبدع يعرب العيسى وكانت صدى لأرواحنا كلنا…

أصبحنا الآن في زمن (نازح ويعيد)…

ملايين السوريين تكررت معهم تجربة النزوح القسري من أماكن سكناهم وذكرياتهم وأحلامهم لمرات عدة…فلم تعد العبارة محاولة لتلطيف الجو على قول أسعد خشروف في (ضيعة ضايعة)… بل صارت مأساة سورية…صرنا كلنا سكان تلك الضيعة التي ضاعت فعلاً.

نازحو الجولان المحتل أيضاً دخلوا في تجارب نزوح داخلي وخارجي.

الإخوة الفلسطينيون استعادوا ذكرى نكبتهم بتجسيد حي حين اضطروا لنزوح جماعي من مخيم اليرموك ومخيمات أخرى.

هي التغريبة السورية… بل قل إنه الرحيل إلى المجهول من الجهات.

لست سوى واحد من تلك الملايين المرشحة للازدياد بعد انحسار الأمل بأي بارقة حل.. الآن عرفنا ماذا كان يُقصد بشعار: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة… إنها معركة السوريين ضد سوريتهم… إنه الجنون الجمعي.

***

كنا في دمشق نرى دائما سورية كلها، من ديريك إلى درعا، لكن لم نكن مرة نحس أن هذا الكردي الذي يتكلم بعربية مكسرة أو ذاك الحوراني الذي تفوح من لكنته مزيج رائحة السهل والجبل هو قادم إلى دمشق من خارجها، المدينة الواسعة الممتدة في التاريخ صارت بلداً يتسع للجميع، يحبهم ويحبونه وهم يقيمون في بيوتهم الهشة في أحياء المخالفات التي تعملقت ونمت في إطار تنمية الفساد منذ عقود ماضية، منذ أن صار صوت الشعار يطغى على صوت الحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة أحياء بكاملها تزنر خصر دمشق وكل المدن السورية.

الآن… تسمع في وسائل النقل العامة وأمام المخابز والكازيات ومراكز توزيع الغاز التي تحولت إلى أماكن إقامة طويلة للسوريين أحاديث بين أبناء المناطق المنكوبة، كيف نزحوا دون أن يحملوا معهم شيئاً من أمتعتهم، وكيف استضافهم أقارب وأصدقاء، أصبحت في كل غرفة من المنزل عائلة وأحياناً أكثر.

الذين لم يجدوا ملاذاً عند أحد اضطروا للجوء إلى مراكز إيواء، وبعضهم افترش عشب الحدائق العامة وأحجار الرصيف لعل الله يراهم جيداً ويرأف بحالهم، فيهدي من كان السبب إلى النزول عن عناده الأجوف.

***

النزوح المتكرر تجربة سورية بامتياز، كأن يلجأ ابن دوما المنكوبة إلى حي التضامن الذي كانت فيه الحياة عادية حتى بعد عام من الأزمة. وحين صار حي التضامن ساحة معركة لجأ إلى مخيم اليرموك ليصبح لاجئاً عند إخوته اللاجئين الفلسطينيين! وما إن اشتعلت المنطقة حتى طار إلى دمر التي ما زالت حتى كتابة هذه السطور آمنة نسبياً…كم تتبعثر روح الإنسان وهو يتنقل من مكان إلى مكان، لا بحثاً عن عمل أو معيشة أفضل، بل هرباً من الموت!

أبناء المحافظات المنكوبة (صارت هذه التسمية تشمل أكثر من 60% من الخريطة السورية) أيضاً عاشوا تجارب أقسى وأمر، منهم من تنقل بين أكثر من محافظة، فبدأ من الأقرب جغرافياً لسهولة الوصول أو وجود أقرباء، وعلى أمل عودة قريبة أيضاً. ثم حين امتدت النيران هرب إلى محافظات أخرى في سعيه الحثيث لمقاومة الموت المتنقل على أرض الحضارات.

***

أي أنانية تجعل الواحد يرى كل هذه المآسي ويبقى على عناده؟!

 يتفرج على طوفان الماء في خيم السوريين في مخيم الزعتري، وعلى البؤس والتعامل العنصري القذر من بعض اللبنانيين الذين لن ينساهم السوريون، وعلى المآسي التي تتسرب إلى الإعلام في مخيمات تركيا، وربما يتجول مرة بسيارته في شوارع دمشق فيرى سكان الحدائق والأرصفة والمدارس.. لكنه لا يتغير… سبحان من يغير ولا يتغير!

***

ونحن نحب الحياة إن استطعنا إليها سبيلاً… يقول محمود درويش.

يعيد السوريون صياغة القول الدرويشي: ونحن نحب الحياة إن استطعنا إليها سبيلاً، وإن لم نستطع.

العدد 1195 - 23/04/2026