رشاً ودراكاً

ما إن التقاني ابن قريتنا الأخ (ع) حتى بادرني السؤال عن شقيقي (م) المخطوف، منذ أشهر. فأجملت له الوضع قائلاً: حتى الآن لا علم عنه ولا خبر، ولا ندري عن وضعه شيئاً:

مَنْ خطفه؟

أين ؟

لماذا؟

ولا إذا ما زال على قيد الحياة، أم نُقِل إلى قيدٍ آخر!

بعدئذٍ سألته، راجياً معاملتي بالمثل (أي بالإجمال):

وأنت يا أخ (ع) أين وصلت بمعاملة (رخصة روضة الأطفال)؟

بعد أن سألني هو، إنْ كنت سأصدّق كلامه، ووعدته أن أحاول، قال:

بعد أن يئسنا من موافقة المسؤول المخوّل، في البلدية التابعة لها قريتنا، في المنطقة.. وفي المحافظة. وكل ذلك من دون أن نتلقى سبباً مقنعاً لتأخير الموافقة، أو جواباً شافياً لتأجيلها (اللهم، سوى المماطلة). همس لي (أحدهم) أن معاملتي لن تكتب لها الموافقة إلاّ بأحد أمرين: أن أدفع (المطلوب)، أو أن أتصل بالأستاذ (و) في لبنان الشقيق. اتصلنا بالأستاذ، فردت سكرتيرته وأفادتنا بأن: الموضوع لا يستاهل إشغال الأستاذ به، ويمكننا حلّه عن طريق السيد (ل)مدير فرعنا في دمشق. هتفنا للسيد المذكور فقال: هذه بسيطة يمكنكم الاتصال برئيس مكتبنا في السويداء (أبو عرب) أقرب لكم، وبكلمتين منه للموظف المختصّ يحلّ المسألة.

ذهبنا يا أبا الشباب   ملاّ أنت  إلى (أبي عرب)، فإذا به يستقبلنا على عكازين، قال إنهما لازمتاه إثر إصابته بعدّة عيارات نارية في فخذيه، أثناء عودته بسيارته من مهمة تعبوية في إحدى المحافظات الشمالية. حيث اعترضه مسلحون، أوقفوه وأمروه أن (يتفضل معهم). لكنه استطاع أن يرمي بنفسه من السيارة ويهرب منهم بأعجوبة، وعندما لم يستطيعوا اللحاق به، أطلقوا عليه النار وأصابوه. ولحسن الحظ صادف وقت سقوطي – يقول أبو عرب – وصول جماعة مسلحة أخرى. لمّوني من الأرض وأسعفوني إلى مشفى قريب.

في الطريق إلى المشفى (والكلام ، نقلاً وأصالة، رشّاً ودراكاً مازال يجري على لسان وذمة الراوي الأخ (ع): سألني الشباب عمّا حدث معي . فسردت لهم ما حصل. وأبلغتهم ظني بأن تلك الجماعة هي من فلول ما يدعونهم (جماعة كذا) وعلى الأغلب أنهم  حسبوني ممن يدعونهم (جماعة كذا) المعادية، فأرادوا تصفيتي. وهنا تصدّى لي أحدهم نافياً ظني جملة وتفصيلاً بالقول:  نحن من (جماعة كذا) وليكن بعلمك، يستحيل أن تتصرف جماعتنا بتصرف كهذا. المسلحون الذين اختطفوك، ليسوا من (جماعتنا) ولا من (جماعة كذا)، إنهم من العصابات السلفية التكفيرية، التي انتشرت في بلدنا مستغلة ظروف الأزمة.

النتيجة يا أخي (ع) وبالمختصر المفيد: هل حلَّ لك (أبو عرب) قضية  الرخصة؟ (سألته مستعجلاً خاتمة الرواية، التي كلما اقتربت  شبراً أبعدها أخونا متراً).

أبداً يا أبا الشباب (أجاب ثم سألني):  وكيف سيحلّها وهو على العكازات؟

وهل المطلوب أن يحلها برجله؟ (سألته مالاً من طول باله وسيرته) فقال:

 أشار عليَّ الأخ (أبو عرب) أن أذهب إلى الشيخ (ج) فهو (قدّها وقدود).

وهل ذهبت إلى الشيخ (ج)؟ عاجلته سائلاً ومودعاً معاً. لتلحق بي كلماته، بعد أن فشلت قبضتاه بتوقيفي (عرفياً) على حساب المجاملة، دقيقة أخرى زيادة:

أقسمت بعين الله يا أبا الشباب، تركت المشروع من أصله . . أكثر من أربعين سنة، ودولتنا آخذه على عاتقها ترويض الصغار والكبار، وتعليم الشجر والحجر. فمن الصعب عليها التخلّي عن مهمتها الآن!

العدد 1190 - 11/03/2026