جدتي والزمن المفقود
اعتدنا حين كنا صغاراً على استقبال والدي القادم من السفر بالحفاوة البالغة، ليس شوقاً لرؤيته لأنه لم يكن يغيب عنا سوى بضع ساعات من النهار، بل لهفة لمعرفة ما يحمله لنا في الأكياس من فواكه وحلويات من طيبات المدينة التي لم تكن موجودة آنذاك في محلات ضيعتنا الصغيرة. وبعد أن كبرنا قليلاً وصار كل منّا موظفاً أو دارساً في المدينة، اعتمدنا على أنفسنا في إحضار تلك الأكلات الشهية، ولم يعد أبي يفاجئنا بما يحمله من المدينة عند وصوله، وفقد استمتاعه بالفرحة المرتسمة في عيوننا ونحن كالفراش أو كالسعادين نتقافز حوله، ففلما أصبح يرانا بقربه، ومن دون ابتسامات أيضاً!
بعد أن انزلقت جدتي وسقطت أرضاً وكسر حوضها (وقاكم الله شر السقطات) صار على عائلتي واجب مساعدتها أكثر، بإحضارها إلى منزلنا، والعناية بها لأنها أصبحت بعجز دائم. وجدتي التي كانت تبلغ حينذاك الخامسة والثمانين من عمرها، لم تكن في مخيلتها أو لم تدر بالاً للتبدلات الطارئة الكبيرة في أسعار المواد، كانت لاتزال تعيش فكرياً في زمن بعيد مضى، ربما كان أجمل. ففي أحد الأيام كنا مجتمعين أنا وإخوتي جميعاً في الضيعة لم نغادرها صيفاً لمدة تزيد على الشهرين، حين رجع أبي من السفر وكان قد اعتاد على عدم استقبالنا له، لأننا كبرنا ولم تعد تفرحنا تلك المفاجآت، لكننا هذه المرة لم ندر ما الذي أرجعنا صغاراً، فخرجنا جميعاً لاستقباله مهللين للحامل والمحمول. لكن يديه كانتا فارغتين ولا يحتاج إلى معونتنا. ومع لهونا حوله عَتِبنا عليه على سبيل المزاح لأنه لم يحضر معه ما لم نره أو نذقه من الأكلات الطيبة منذ مدة طويلة نسبياً أعتقد أن والدي حينذاك استدرك واستعاد فرحه بوجودنا جميعاً بقربه، وندم لأنه لم يحضر شيئاً، ليس إلا شوقاً لالتفافنا حوله كالقطط الجائعة والأليفة.
سألتنا جدتي وقد رأتنا صامتين لمدة قصيرة: ما بالكم لا تتكلمون؟ هل سبب أحد لكم الإزعاج؟ قولوا لي حتى (أقصف لكم) رقبته!
كبتنا ضحكنا من عبارتها الأخيرة، وأجابتها أختي بدلال وأسف مصطنع استكمالاً للمزاح مع والدي: نعم يا جدتي أزعلَنا أبي… لقد جاء من السفر ولم يحضر لنا شيئاً معه، وكنا ننتظره لكنه خيَّب أملنا.
ضربت جدتي كفاً بكف باستغراب وحدثت نفسها: لَهْ له له! الله يسامحك يا (عبدالله)، أهكذا تكسر بخاطر الأولاد ولا تجلب لهم شيئاً معك؟
وفي المساء اجتمعنا على العشاء، فواجهت جدتي أبي باللوم تؤنبه على فعلته قائلة: أهكذا تفعل مع الأولاد؟وبإشارة من ظلال بقايا رؤوس أصابعها الزرق أردفت بجدية مطلقة:على الأقل.. على الأقل أحضر ولو خاتماً ذهبياً صغيراً لكل منهم.
وانفلتنا جميعاً بالضحك وهي تنظر إلينا ببراءة الأطفال، دون أن تعلم أن راتب أبي كله يكاد لا يكفي لشراء خاتم من الفضة لنصف عددنا. فهل نوقظ جدتنا على هذا الزمن الأغبر؟