قم للمثقف وفه التبجيلا
يقول المغفور له جبران خليل جبران في كتابه العواصف: (و في فم الأمة السورية أضراس بالية سوداء قذرة ضعيفة، ذات رائحة كريهة، وقد حاول أطباؤنا تطهيرها وحشوها بالميناء وإلباس خارجها رقوق الذهب، ولكنها لا تشفى ولن تشفى بغير الاستئصال). واليوم نقول نحن السوريين: الحمد لله الذي منّ على هذه الأمة بثلة من المثقفين الذين ساروا على النهج الجبراني، وجعلوا ديدنهم المناداة بالخلع والاستئصال بكرة وأصيلاً، ولم يجدوا غيره منهجاً وسبيلاً، وقد حازوا بذلك على إعجاب الناس البسطاء الذين برموا بالوضع الحالي وبدؤوا يبحثون عن الحلول الجذرية والعلاجات الناجعة لأمراض الأمة.
لكن لربما فات أولئك الأطباء المثقفون أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن الاستئصال لا يمنع تكرر الأمراض ذاتها ما لم يرافقه إصلاح يشمل الأرضية التي تنبت فيها هذه الأضراس، وإن أي إجراء لا يصل إلى البنية التحتية الفكرية لهو أشبه بقطع ذنب الأفعى. فمما يؤسَف له أن جلّ من امتشقوا الأقلام وجعلوها سيوفاً في مواجهة أعداء الأمة أو مباضع جراحية في جسدها قد اكتفوا بالتشخيص واقتراح الحلول المؤقتة التي لا تصل إلى منبت العلة ومصدرها. فعلى سبيل المثال تحدث الكثيرون عن الإرهاب المتفشي في بعض المناطق، والذي يسعى معتنقوه إلى تدمير سورية جنة الله على الأرض طمعاً بالصعود إلى الجنة! فأشبعوا هذه الظاهرة دراسة وتحليلاً، وسطروا في وصفها ما لا يعد ولا يحصى من التقارير والدراسات والأعمدة الصحفية. لكن ما لم يتطرق له أحد هو ذلك المواطن العادي المسالم الذي أقنعه البعض أن حياته على الأرض لهي حياة فانية زائلة لا تستحق أن يعمل من أجلها، بل عليه أن يفكر بآخرته لأنها الأولى بالاهتمام والتفكير، فأصبح هذا المواطن المسالم يعيش حياة غير ذات مغزى ودون فعالية تذكر، ضارباً بعرض الحائط كل ما له علاقة بالتحضر والتطور والمواطنة، وربما انصرف إلى قراءة موسوعة الآخرة ( سبعة أجزاء) ترقباً لليوم الموعود وتأهباً لمقاساة أهواله ، فهل حاول أطباؤنا دراسة هذه الحالات الأشد صعوبة واستعصاءً؟ وهل هي أقل خطورة من الأحزمة الناسفة والعبوات المتفجرة؟ وهل بحثوا عن مسبباتها في البيئات الفقيرة أو بين مقاعد الدراسة وداخل عقل المدرس الذي كاد أن يكون رسولا؟
كذلك يتناول مثقفونا قضية خصوبة المرأة السورية وعدد الأطفال الذين يولدون كل شهر في مخيمات اللاجئين، وعدد سكان سورية الذي يزداد بمقدار نصف مليون كل سنة، فيطلقون صفارات الإنذار ويتنبؤون بمستقبل مشؤوم لهذه الأمة إن ظل الحال على ما هو عليه، ومن ثم يتوقف التشخيص عند هذا الحد وربما رده البعض إلى أسباب دينية، لكن لم يعمد أحد إلى دراسة علاقة مستوى المرأة التعليمي بعدد الأطفال الذين تنجبهم، وما إذا كانت خصوبة المرأة التي تتقن القراءة والكتابة مثل خصوبة المرأة الأمية، مع العلم أن مثل هذه الدراسات أجريت في عدد من دول العالم الثالث وثبتت فعاليتها، لكن يبدو أن أطباءنا المحترمين لا يحبون استنساخ التجارب الجاهزة أو أنهم يرون أننا مستثنون من قائمة دول العالم الثالث، فلا يصح علينا ما يصح عليهم.
ما ذكر من أمثلة هو غيض من فيض يشمل ميادين علم النفس العام ،علم النفس السياسي ، الفلسفة وعلم الاجتماع وغيرها من العلوم التي ليست مجرد ترف فكري، بل أدوات تسهل الوصول إلى أرومات المشاكل. ومن الأمثلة السابقة يمكن الخلوص إلى أن المعضلة الأولى التي تحتاج إلى حل جذري هي معضلة بعض المثقفين ذاتهم، والسطحية التي يتناولون بها القضايا المحورية التي تهدد بجعل الأمة تتقدم للوراء بسرعة متزايدة باطراد، وربما كانت مشكلة أولئك المثقفين (الاستئصاليين) تتمثل في الهيئات التي تمنحهم رتبة (مثقف).