«سكسيكة».. وأشياء أخرى..!
أعرف أن بعضكم سيقرأ المقال من باب الفضول لمعرفة معنى كلمة (سكسيكة)، وأعرف أيضاً أن قليلاً ممن سيقرؤونها سيفكّرون أنها أكلة من ابتكار (الشيف رمزي أو الشيف ريتشارد أو التيتا لطيفة) كما تتحفنا بهم القنوات اللبنانية الشقيقة والتي نبقى حتى تنتهي الوجبة ونحن نتلمّظ ونلعق جوعنا وخيباتنا، بعد أن أصبحنا (عالحديدي) كما يقال..!. وكي لا يطول بنا الشرح ونذهب خارج الموضوع، فأنا سأختصر ما أمكن وأحدّثكم عن هذا الاختراع العجيب الذي يدعى (سكسيكة).
السكسيكة هي عبارة عن جهاز صغير يحوي مجموعة أصوات لعدد من الطيور الكبيرة الحجم، كالشحرور والسمّان والحجل وغيرها، أو الصغيرة منها كالسقلّين (عصفور التين) أو (أبو محراك) أو (أبو رقيطة) وكلّهم مما يحلم باصطيادهم أي صيّاد.
قبيل أيام قليلة، وبينما كنت في زيارة صديقي منذر في القرية اقترح عليّ مرافقته في جولة صيد نربح في نهايتها أحد أمرين، فإمّا أن نوفّق في الصيد، وبالتالي نؤمّن عشاءنا من لحم العصافير مادامت لا تخضع لأسعار ورقابة التموين وحماية المستهلك، بعد أن طالت المسافة بيننا وبين لحم الفرّوج أو اللحمة الحمراء نتيجة ارتفاع أسعارها بشكل جنوني..!. والأمر الآخر الذي قد نربحه هو التريّض.. نعم، التريّض في شباط بعد أن بات المطر حلماً لكل حبة قمح مطمورة أو ساقية تصرخ: (مااااء ماااااء) كما صرخ كليب في مسلسل الزير سالم.
وكي لا أشرد وأبتعد عن الموضوع ثانية سأعود إلى السكسيكة، فقد اقترح عليّ ابن عمي أن نأخذ معنا السكسيكة، وعندما نتعب نضعها بين دغلات السنديان أو البلان ونجلس بانتظار قدوم الطيور عندما تصل إلى أسماعها أصوات قريناتها الافتراضيات.
حملت بارودة الصيد وحمل ابن عمي السكسيكة (هي ليست كبيرة، فحجمها تقريباً يعادل حجم هاتف خليوي صغير) وانطلقنا باتجاه الشرق. ابن عمي الذي كان على ما يبدو تعباً اقترح عليّ مكاناً قريباً قال بأن عدداً من الطيور تأوي إليه مساءً. وبالفعل فما هي إلاّ دقائق قليلة حتى اخترق صمتُ المكان صوتُ الشحرور والسمّان، وكما تعرفون فإن الشحرور يعتبر من الطيور المهاجرة كما هو حال السمّان وبعض الطيور الصغيرة أيضاً..الشيء اللافت في الأمر هو وجود عصفور (أبو الحن) بكثرة إضافة إلى الفشتوكة و(أبو دس) وكما يعرف الصيادون فإن هذه العصافير لا تكتنز لحماً ولا دهناً، وربما من هنا كانت علاقتها الجيدة مع بقيّة المخلوقات، وبضمنها الصياد الذي لا يخسر طلقة عليها.
المهم.. ما هي إلاّ دقائق حتى بدأت أصوات إطلاق الأعيرة النارية باتجاه الطيور، سواء تلك التي تعتبر من الطيور المحليّة أو تلك الوافدة إلينا من بلدان أخرى.
قلت لصديقي ونحن في طريق العودة، بعد أن مالت الشمس للغروب وتركت الطيور في مأمن من جوعنا : يا لهذا الاختراع الخبيث..!. كم من السهولة أن نضحك على الطيور ونوهمها بأن ما ينتظرها هو لمّ الشمل مع بقيّة السرب، ولكننا في الحقيقة ندعوها إلى حفلة الرقص الأخيرة.
قال وهو يمسك شحرورة من بين عدّة طيور: لو لم نحتلْ عليها بهذه السكسيكة لعدنا وقد أرهقنا التعب. ملعون أبو الجوع وأبو التعب و…!
هنا لا أعلم لماذا قفز إلى ذهني ما حدث على امتداد الساحة العربية خلال السنوات الثلاث المنصرمة التي عانى فيها المواطن كل أشكال العنف والقتل والاضطهاد والجوع والتهجير والتكفير والتقطيع، وتساءلت في سرّي كم هو (ابن كلب) وخبيث ذاك الذي سخّر مئات (السكسيكات) في البلاد العربية وجلب لنا آلاف العناصر التكفيرية والإرهابية والوهابية المجرمة لتركب على جناح ما سمي (الحراك العربي) وتفتك بكل ما هو جميل في هذا الوطن، وتقضي على حضارات عمرها آلاف السنين، وتمنيت على أصحاب الضمائر الوطنية الحيّة أن لا يوفروا جهداً في اصطياد هؤلاء كي نضمن للأجيال القادمة الحياة الكريمة واللائقة التي يستحقها الإنسان في وطن تكون الأفضلية الأولى والأخيرة فيه للإنسان..للإنسان فقط!