«ضرورات المصلحة العامة» سيف الحكومة على رقاب العاملين

ليست هذه الشكوى الأولى التي تصل إلى (النور) أو غيرها من وسائل الإعلام، ومختصرها أن ثلاثة وثلاثين عاملاً وعاملة في أكثر من جهة عامة في محافظة السويداء، صُرفوا من الخدمة، بالقرار الصادر مؤخراً عن رئيس مجلس الوزراء، استناداً إلى القانون الأساسي للعاملين، وخاصة المادة 137 منه، و(لضرورات المصلحة العامة)، وينص القرار أيضاً على إيقاف صرف استحقاقاتهم التقاعدية ووقف رواتب المتقاعدين منهم.. لحين انتهاء محاكمتهم!!

ويبدو -بحسب الشكوى التي وصلت إلى (النور)- أن صرف هؤلاء من الخدمة لا يتعلق بأدائهم الوظيفي، وإنما على خلفية آراء سياسية عبروا عنها علناً، بطرق عدة، منها وسائل التواصل الاجتماعي.

مربط الفرس!

يذكر المتابعون أن المادة 137 من قانون العاملين الأساسي كانت موضع اعتراض كثيرين من أعضاء مجلس الشعب من سائر ألوان الطيف السياسي، واعترضت عليها كذلك النقابات والقوى السياسية والاجتماعية، ومنها الحزب الشيوعي السوري الموحد، وجرى التعبير عن ذلك في وسائل الإعلام وفي الاجتماعات العامة والخاصة.. وذكّر بعض المعترضين بأن هذه المادة استنساخ لمادة في القانون الصادر أيام حكم البرجوازية والإقطاع، وبأنه لا يجوز أن تبقى كما هي في فترة كان شعارها (اليد المنتجة هي العليا).. ولكن الحكومة استطاعت آنذاك أن (تمرّر) هذه المادة، بالتصويت.. على أرضية (الالتزام الحزبي)، وعلى خلفية حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي كانت سائدة آنذاك.

واليوم، بعد أكثر من سنتين على إقرار الدستور الجديد، ورغم أنه نص على ضرورة تعديل القوانين بما يتوافق مع نصه وروحيته، فإن شيئاً لم يتغير بعد، ويجري تبرير ذلك وتعليقه على مشجب (الأزمة).

قطع الأرزاق

يتداول الناس في بلادنا مثـلاً شائعاً (قطع الأعنـــــاق ولا قطع الأرزاق)، ذلك أن الإنسان يموت مرة واحدة، بقطع عنقه، أما (قطع الرزق) فإنه يعني موتاً يومياً متكرراً ومعاناة متفاقمة لا حدود لها.

فما بال حكومتنا اليوم، تقطع أرزاق هؤلاء، في الوقت الذي تفتح فيه صدرها واسعاً، في سياق المصالحة، وتحتضن من حملوا السلاح ضد الدولة، وقتلوا، وخربوا، ودمروا، ولسنا نعترض على هذا الاحتضان مادام يعني وقف نزف الدماء، ووقف الدمار والخراب، ووقف الكارثة؟!

الرأي بالرأي

يمكن للحكومة، في تعاملها مع أصحاب الآراء والمعتقدات المختلفة، أن ترسي تقاليد جديدة، تتفق مع نصوص الدستور الجديد وروحه، ومع المرحلة الجديدة التي نتطلع أن تنتقل إليها بلادنا.. وأول هذه التقاليد المطلوبة أن يُردّ على الرأي بالرأي والحجة، لا أن تنسب أدنى قول أو تصرّف إلى (المؤامرة)، لأنها، حين تنسب كل ما لا يعجبها إلى (المؤامرة)، فتقطع أرزاق هذا أو ذاك من المواطنين، تكون قد أسهمت -دون قصد- بتحقيق جزء من أهداف هذه (المؤامرة).. وهذا ما لا نريده لحكومتنا..

فسورية تحتاج اليوم إلى كل ما يقوّي الوحدة الوطنية ويعزز التلاحم، بإشاعة روح التسامح، والتسامي على الجراح، وهي أيضاً بحاجة إلى كل جهد مخلص لإعادة بناء ما دمرته الكارثة، ولعل أخصّ ما يحتاج إلى إعادة بناء هو الإنسان، المواطن، ويبدأ ذلك من احترام حقوقه، ومنها حقه في الحياة، وفي التعبير عن آرائه ومعتقداته.

وقديماً قيل، وهو قول صحيح: (التراجع عن الخطأ.. فضيلة!).

العدد 1195 - 23/04/2026