التزحلق
كلمة (تزحلق) مفردة سهلة وتعني (تدحرج)، أي (انزلق). و- على المكان تزلَّق عليه جالساً. و- عن المكان، تنحَّى عنه وابتعد- كما جاء في المعجم المدرسي.
وقد وصلتني شكاوى عدة من الأصدقاء والمعارف القدماء والجدد، من أن بعضهم أصيب بكسور في الفخذ وآخرون بالساق. وحينما بحثت عن السبب في هذه الكثرة من الإصابات التي تحدث كل يوم، تبيّن لي أن الأمر بسيط جداً ناتج عن تعرّضهم لارتفاع الضغط، بسبب تنشّقهم رائحة المازوت أو البنزين، أو النفط (أبو ريحة) الذي ارتفع سعر الليتر منه من 50 إلى 250 ليرة. وثمن بلّورة الكاز الفولكلوري، من 10 ليرات إلى 100 ليرة.
وتمنّى المتضررون من الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ عامين، وهم يشكلون نسبة 90 في المئة من الشعب السوري، أن تقوم السلطات المسؤولة بمحاسبة تجار الأزمات، الذين وصلوا إلى حد الإشباع، ولا يزالون ينهشون بأظافر الاستغلال لحم المواطنين ويمزقون جيوبهم بأسنان الاستغلال.
لقد تزحلقت الطبقة الوسطى، وهبطت على درجات سلّم الأزمة. وأحدثت خللاً اجتماعياً كبيراً في الميزان الاجتماعي (الطبقي). وتزحلق الكادحون وصغار الكسبة من حياة الحد الأدنى والكفاف إلى هامش الفقر. واجتازت شريحة واسعة خط الفقر وغرقت في وحل المنطقة التي يطلق عليها باللغة الاقتصادية- الاجتماعية (المنطقة الواقعة تحت خط الفقر).
وإلى جانب التزحلق المادي، هناك التزحلق المعنوي. وقد تضاعفت الخسائر المادية، وازداد عدد المصابين بالأمراض النفسية بسبب هذا التدحرج. وتعرّض المتأثرون (بالفوردية) بارتفاع نسبة الكوليسترول، وانسداد الشرايين المغذية للقلب. وتدهورت ذاكرات نسبة لا بأس بها من المبدعين والمبدعات ومن الكتاب والكاتبات. وتزحلق بعضهم وهم قلة إلى شرفات تطلّ على سماء معتمة، رغم أننا كنا قبل سنتين نغبطهم هذا التفاؤل، وهذه الروح القومية المفعمة بالشعارات العابرة للقارات. ويمكن أن نسمي هذه الحال (الانتقال التزحلقي) من وجهة نظر فلسفة الأزمات. ويتساءل آخرون جرت معهم مقابلات عن أسباب التزحلق وهذه الدحرجة المتسارعة، فأجابوا: أن هؤلاء و(هم أحرار) تأثروا بثورة الاتصالات قبل غيرهم، نظراً لذكائهم الباهر وسرعة تقبّلهم للمتغيرات، وقوة حاسة الشمّ لأزهار الربيع العربي.. واتساع رئاتهم التي تستوعب أوكسجين هذا العصر العابر حدودنا.
وهناك متزحلقون سرعان ما بدّلوا مواقفهم، ووضعوا على أكتافهم (علم الثورة). وجلسوا على كراسي وثيرة في استوديوهات الفضائيات المعادية، وانهالت عليهم الأسئلة الثورية وانفتحت شهيتهم على الحوار. وأكدوا لمحاوريهم أنهم من روَّاد نظريات الديمقراطية والرأي والرأي الآخر والمواطنة وسواها.
وفكر عدد من المنظرين، كما همس أحدهم منذ أيام في أذني، وقال: سيصدر في آذار القادم كتاب لأحد المتابعين لحياة المتزحلقين في البلدان العربية والأجنبية، بثلاثة فصول هي:(تعدد التزحلقات – فلسفة التدحرج والانتقال – تبدل الفصول).
ليس التزحلق هو انزلاق قدم شخص ما، وإحداث كسر في الفخذ أو الساق والذراع، ناتجة عن اندلاق المازوت على الأرض، بل التزحلق هو عملية سياسية تراكمية تتحدد على أساسها التناقضات والاصطفافات والافتراقات الناتجة عنها.. وينصح آخرون بالحذر الشديد من جليد السياسة وثلوجها، ومن الزحافات الإقليمية والدولية..!