إلى متى يبقى أهالي «بيت يوسف» في الدريكيش عالقون في متاهة المخطط التوجيهي

أعتقد أننا عندما نستمع لعدد كبير من المواطنين، ونجد أنهم يتوقعون من الصحافة الكثير، نقول في سرّنا: كم نتمنى أن تمتلك السلطة الرابعة فعلاً ما وُجدت من أجله، بصفتها سلطة يمكنها أن تحمل هموم الناس وتضعها بين يدي المسؤول أملاً في إيجاد الحلول الناجعة لها.

انطلاقاً من هذا كان لقاء جريدة (النور) مع عدد كبير من مواطني قرية بيت يوسف التابعة لمنطقة الدريكيش، للاستماع إلى همومهم التي باتت تقضّ هناء أيامهم، وهم الذين قدّوا لهذا الوطن فلذات أكبادهم دون منّة منهم، ولكن جلّ ما يتمنونه هو الوصول إلى جهة رسمية في المنطقة تتبنى تطبيق كلامها وتطبيق العدالة والقوانين المرعية.

في القرية – كما يقول  عدد كبير من سكانها- نُظم مخطط توجيهي خلسة ودون معرفتهم به، وكان هذا المخطط للأسف وكأنه أعدّ تحت جنح الظلام، لاسيما أن 80 بالمئة من أبناء القرية قد اعترضوا على هذا المخطط الذي أعده المهندس (ج. م) الذي كان يعمل آنذاك في بلدية حمين ولا علاقة له ببلدية الدريكيش ولا بالخدمات الفنية في الدريكيش، لكنه من أبناء القرية..!

الشيء الذي يدعو للتساؤل هو عدم وجود توقيع للمهندس المذكور على المخطط، فكيف وقّع عدد من المهندسين في المحافظة على المخطط؟ وكيف أمكن تصديقه من قبل مدير الخدمات الفنية الأسبق؟!.

السيد أبو رامي (والد شهيد) تحدث بحرقة وغصّة عن كيفية التعامل معه، فقال: قمت منذ عام 1981 بتفريغ قسم من الأرض بقصد إقامة بناء عليها، ولم أتمكن من إتمام التفريغ حتى عام 2011 أكملت تفريغ المكان بالكامل، دُفعت تكلفة التفريغ 325 ألف ليرة سورية. وعندما قصدت المهندس (ر. ع. ر) قال بأن هناك مخططاً، فدهشت لأن المخطط المذكور قد أنجز دون علم أحد من سكان القرية. قصدت مكتب الخدمات الفنية بالدريكيش ولكن كان الجواب بأنه لا يمكنني أبداً الحصول على رخصة بناء علماً أنني أخبرتهم بأنني والد شهيد ولكن دون جدوى. بعد استشهاد ولدي قررت فرز الأرض المسجلة باسمه، وبعد قيام لجنة من المالية بتخمين المنزل ارتأوا أن نقوم بإجراء تسوية على العقار مع بلدية الدريكيش. دفعت مبلغ 28 ألف ليرة حتى تمكنت من نقل ملكية العقار من اسم ولدي الشهيد إلى اسمي ثم من اسمي إلى اسم بقية الأولاد. أرسلت الأوراق مع أحد أولادي ولكنهم قالوا له بأنها لا تصلح، لأني أنشأت العقار قبل 2010 طبعاً العقار فيه عداد مياه ودفعت قيمة فاتورتيت.. برأيي أن المخطط التوجيهي أنجز بطريقة بشعة لم تراعِ مصالح الناس، ومن قام بإعداده فإنما فعل ذلك من اجل إثارة المشاكل في القرية ليس غير، علماً أنه من أبناء القرية..!

السيد أيوب اسماعيل تحدث بنبرة لوم وعتب وغضب على من أعد المخطط، وقال: منذ سنوات قدّمت طلباً لترخيص مشغل خياطة، ولكنهم في المحافظة اشترطوا عليّ أن أعلن عن ذلك في الجريدة الرسمية وفي الأماكن العامة لإفساح المجال أمام الاعتراضات. إذا كان الترخيص لمشغل خياطة صغير يحتاج إلى الإعلان من أجل الاعتراضات، فلماذا لم يعلنوا عن المخطط التوجيهي ويفسحوا المجال أمام من يريد أن يعترض؟ نحن أصحاب حق ولا نريد أن نتصيّد في الماء العكر.. لا نريد منّة من أحد، بل كل ما نطلبه هو إنصافنا وإعطاؤنا حقنا بإقامة أبنية سكنية تؤوينا.. لسنا من أصحاب المشاريع الضخمة ولا نملك ما يمكننا من إقامة برجيات أو حتى أبنية طابقية، بل كل ما نتمناه هو إقامة بناء صغير نأوي إليه. المخطط التوجيهي أُعدّ بطريقة سرية جداً ولم نعلم به إلا بعد مدة كبيرة، وقد فوجئنا لدى مراجعة الخدمات الفنية بالدريكيش وبلدية الدريكيش بأن هناك مخططاً توجيهياً لا يسمح لنا بإقامة بيوت صغيرة لنا، لأن معظم أراضينا مكتسحة بفضل هذا المخطط اللعين والظالم. طبعاً كان عدد الموقعين على عريضة الاعتراض على المخطط أكثر من 140 معترضاً، ولكن وبقدرة قادر اختفت لائحة التواقيع على الاعتراضات. هناك من كان له مصلحة بإخفاء الاعتراضات.. طبعاً اتصلنا مع فريق الإذاعة وقد لبانا مشكوراً، وتحدثنا عن معاناتنا في برنامج (حوار مفتوح)، وكان توافق من كل الحاضرين والمتحدثين من القرية على أن هذا المخطط قد أنجز دون معرفة أحد به. طبعاً كان للسيد فيصل الدايري مداخلة قال فيها يومذاك بأنه يمكننا أن ننشئ فوق عقاراتنا بيوتاً سكنية.

اتصلنا مع السيد فيصل الدايري وقد أبدى امتعاضه وانزعاجه لأننا قطعنا عليه – على ما يبدو – متعة متابعة كأس العالم، بذريعة أن وقته مخصص لقضايا المواطن فقط أثناء الدوام، ولكن عندما ذكّرناه بما يقدمه الجيش على مدار 24 ساعة، عاد وتحدث معنا بقليل من الرويّة، موضّحاً فيما يتعلق بموضوع المخطط التوجيهي ومشاكل قرية بيت يوسف بأنه لا مانع من إنشاء بيوت سكن لأهالي القرية، وأن المخطط التوجيهي المذكور لا يمنعهم من ذلك، ومن يقول غير ذلك فهو مخطئ تماماً. وأضاف بأنه يمكن لكل مواطن له أرض ضمن المخطط التوجيهي أن يتقدم برخصة، وعلى البلدية الموافقة فوراً. وفيما يتعلق بوجود عدد من المنازل الوهمية التي رسمت على المخطط قال الدايري: عليهم تقديم اعتراضات وشكاوى بحق من نظّم المخطط.

المواطن طلال إسماعيل (مساعد أول متقاعد) أكّد ما قاله العديد ممن التقينا بهم فيما يتعلق بالسريّة المشكوك في أمرها التي أُنجز بها إعداد المخطط التوجيهي، وأضاف: لديّ ثلاثة أولاد في الجيش، وقد فرّغنا الأرض من أجل إقامة منازل لهم، ولكن عندما راجعنا مكتب الخدمات الفنية بالدريكيش، كان جواب المهندس (ع. م. ح) وأخوه (أ. ح) بأنه ممنوع إقامة منزل في ذلك المكان.. المهندس (ج. م) قام بوضع منزلين وهميين على المخطط مما اضطرنا لسحب الرخصة منه.. لم أتمكن من بناء منزل لأي من أولادي.. جاء رئيس مكتب الخدمات الفنية بالدريكيش وأخوه بسيارة الخدمات إلى منزلي، وقالوا لي لا يمكن أن تقيم منزلاً هنا لأي من أولادك، لأنه حسب المخطط هناك درج وطريق، وعندما سألناه عن التفريغة الثانية، قال بأنه هناك ثلاثة بيوت وهمية ولا يمكنني أن أقيم أي منزل في عقاري.

اتصلنا مع رئيس مكتب الخدمات الفنية بالدريكيش المهندس (ع. م. ح)، فقال إن المخطط موجود في بلدية الدريكيش، وعندما أُعدّ هذا المخطط لم يكن هو رئيساً لمكتب الخدمات الفنية في الدريكيش.. وحول وجود بيوت وهمية على المخطط قال لا يوجد بيوت وهمية، ولكن المخطط تم إعداده وفق صورة جوية منذ عام 2000 وفي الصورة الجوية تظهر كل حفرة وكأنها بيت!!. طبعاً اسمه مخطط توجيهي والغلط من البلدية التي تتعامل معه على أساس أنه تنظيمي، ويحق لجميع أبناء القرية إشادة بيوت سكنية ولا يحق لأحد أن يعارضهم.. أتوقع أن مهندسي البلدية هم من يعقّدون الأمر.. هناك توجيه من السيد المحافظ يقول بأنه لا يعامل المخطط التوجيهي على أساس أنه تنظيمي، بل مهمته الأساسية المحافظة على المحاور الأساسية للطرق.

طبعاً بعد كل هذا وبعد الاستماع لشكاوى عدد من الحاضرين، كان لا بد من الاتصال مع رئيسة بلدية الدريكيش المهندسة (ن. ب) وسؤالها عن حقيقة ما سمعناه فقالت: المخططات التوجيهية عليها تعديلات.نحن نمنح رخصاً وفق المخطط التوجيهي، لكن التعديل له مسلك كما هو واقع الحال باللجنة الإقليمية. يحتاج إلى اقتراح من البلدية وموافقة مجلس وقرار مجلس مدينة، ثم يتم توجيهه للخدمات الفنية وبعد مناقشته ودراسته يتم تجميع الطلبات وعرضها على لجنة برئاسة الأستاذ (ي. د) ويتم اتخاذ قرار بخصوص ذلك، ويتم التصديق ثم يرسلونه للبلدية من أجل التعديل.. التوجيهي بشكل عام مثل التنظيمي ونمنح رخصاً بموجبه إلا إذا كان عليه تعديل.وبالنسبة للبيوت الوهمية عليه أكدت المهندسة (ن. ب) أن المخطط منذ البداية لم يكن صحيحاً وملامساً لواقع الحال.. الخدمات أعدّته ولا علاقة لنا بذلك.

أخيراً: سواء اتفق بعض المعنيين في طرطوس ظاهرياً أم لم يتّفقوا في حقيقة الأمر،فإن هناك خللاً واضحاً في التنسيق فيما بينهم، والذي يدفع ضريبة هذا الخلل دائماً هو المواطن المسكين، فإلى متى يكون هذا المواطن كرة تتقاذفها أبوب مكاتب المسؤولين..؟! سؤال نتمنى أن نرى الإجابة عنه قريباً بإبعاد كل مسؤول لا يعتبر الوطن والمواطن أمانة في رقبته..؟!

العدد 1193 - 9/04/2026