من يضبط انفلات الأفران الخاصة بطرطوس..؟!
يمكنني القول بكل صراحة وبكل جرأة أن الرغيف ما زال يشكل الهاجس الأكبر لدى شريحة كبيرة من المواطنين وخاصة ذوي الدخل المحدود والمهدود أيضاً وفي الوقت نفسه ما زال هناك بعض المالكين للأفران الخاصة من أصحاب الضمائر المغيّبة والنفوس الضعيفة ممّن يحاولون سحب اللقمة من فم صاحبها، كما يقال، تارة عبر التلاعب بالوزن وتارة عبر بيع الدقيق والمازوت، وبالتالي تنخفض الكميات المقررة من الخبز كل يوم.
وبالرغم من كل ما قيل وكتب في أكثر من مناسبة وأكثر من دورية محلية وغيرها إلا أن لسان حال أصحاب الأفران الخاصة ما زال يكرّر العبارة نفسها التي قالها يوما ما فؤاد المهندس، في مسرحية ريا وسكينة: (وأنا مطنّش)، في حين بقي لسان حال المواطن الفقير يردّد للصبر حدود.
في هذا الريبورتاج نسلّط الضوء على بعض مكامن الخلل والفساد في عمل الأفران الخاصة، ومعاناة عدد من المواطنين، لننتهي برأي السيد عاطف أحمد مدير تموين طرطوس بهذا الخصوص:
دون وزن
أمام فرن جنينة رسلان التقينا بسيدة في العقد السادس تحدثت بمرارة عن أيام زمان عندما كان الخبز يباع بالميزان – حسب قولها – أيام كان المواطن يأتي ليأخذ 2كغ خبزاً أو ثلاثة.. يومذاك لم يكن هناك ربطة خبز ناقصة نصف وزنها. وتضيف: (كان الفرّان يضع الخبز على الميزان وأحياناً يضع ربع رغيف فوق الوزن.. اليوم ما بدنا يحطوا لنا ربع رغيف.. ياريت يعطونا حقّنا فقط). ويقول السيد محمد من قرية مجاورة: (ياعمي بهالأيام ما حدا عاد استحى.. الحق ضايع.. كلّو بدّو يسرقك حتى لو كان من لقمتك ولقمة أولادك). الجدير بالذكر أن وزن ربطة الخبز في الأفران الخاصة حسب التعليمات يجب أن تكون بحدود 1550 غراماً، ولكنها على أرض الواقع لا تتجاوز في أي فرن من أفران طرطوس الخاصة 1000-1100 غرام بحدّها الأقصى.. فمن يعيد لها وزنها النظامي؟!
كيس النايلون
بعض تجار الأزمات أصحاب النفوس الضعيفة والضمائر المغيّبة تحدّثوا عن زيادة سعر ربطة أكياس النايلون، وبرّروا النقص في وزن الربطة بهذا السبب. وعندما أجرينا عملية حسابية بسيطة لا تحتاج إلى آلة حاسبة ولا إلى كمبيوترات، وجدنا أن ثمن هذا الكيس برأي هؤلاء يصل إلى عشر ليرات أو أكثر، لأنه في كل ثلاث ربطات خبز يضعونهم في كيس واحد ( طبعاً هذا هو المتعارف عليه في الأفران الخاصة بطرطوس) ويكون هناك نقص في وزن الثلاث ربطات بحدود 1000 غرام فهل ذلك معقول ؟!. لسنا ضد وضع ثلاث ربطات في كيس واحد شريطة أن يكون الوزن سليماً.
عدد الأرغفة
في فرن كفريخة – وغيره من الافران – يعمدون إلى وضع تسعة أرغفة في الربطة، ولكن لو قمت بعملية قياس بسيطة لقطر الرغيف لوجدت أنه يوجد نقص بحدود النصف في قطر الرغيف، أي لأنّ قطعة العجين أصغر مما يجب أن تكون عليه، وفي هذا الفرن بالتحديد لا تتجاوز ربطة الخبز 1000 غرام وإذا طلبت – لا سمح الله – وزن الربطة فإنك ممّن لن يحصلوا على الخبز أبداً. السيد أبو إبراهيم تحدث إلينا عن معاناتهم بالقول: منذ زمن ونحن نتحدث عن هذه المشكلة ولكن لا أحد يسمع.. الجميع في المحافظة وخاصة المسؤول عن الأفران والتموين بالدريكيش وصافيتا يعرفون واقعنا، ولكنهم لأسباب لا أحد يجهلها يغمضون عيونهم عن معالجة المشكلة.. نحن نريد محاسبة هؤلاء قبل محاسبة أصحاب الأفران لأنه كما يقول المثل ( غاب القط العب يا فأر) وهكذا الفرّان يربح في اليوم الواحد ما تربحه الدولة في الأفران الحكومية في أسبوع، فهل يعقل ذلك؟!. الشكوى لغير الله مذلّة.!
ساعات العمل
لعله من المفارقة أن الكثير من الأفران الخاصة بطرطوس يبدأ عملها في الصباح الباكر، من الخامسة صباحاً إلى السابعة أو السابعة والنصف أي قبل بدء الدوام في مراكز التموين في المحافظة ومنها ما يبدأ العمل فيه مساء بعيد الرابعة، فكيف سيتمكن عناصر التموين من مراقبة عمل هذه الأفران؟ يسأل أحد جهابذة التموين في الدريكيش!!
المخصصات
من المعلوم أن لكل فرن طاقة إنتاج يومية وكمية محدّدة يجب الالتزام بها لأن الدولة تبيع كيس الطحين للأفران الخاصة بحدود 435 ليرة سورية تقريباً على أن يكون النقل على حسابهم، في حين يصل لتر المازوت إليهم بالسعر المدعوم بحدود 9 ليرات سورية، فإذا علمنا أن بعض الأفران تبيع كيس الطحين للمحلات ولأصحاب التنانير بمبلغ يصل إلى 2000 ليرة سورية تقريباً، فإن الربح في كل كيس طحين واحد بحدود 1500 ليرة، ويبيتون لتر المازوت لأصحاب السرافيس وغيرها من الآليات العاملة على المازوت بمبلغ 60 ليرة أي بربح يصل إلى 40 ليرة، فمن البديهي أن نجد مع غياب الضمائر من يناسبه بيع الطحين والمازوت، طبعاً مع غياب المراقبة اليومية لعمل هذه الأفران.
معتمد خبز
فوجئت منذ مدّة وأنا انتظر دوري أمام فرن الدريكيش الشرقي بأحد المواطنين يحمل نحو 30 ربطة خبز (طبعاً على دفعات)، وعندما سألته عن وجهته قال بأنه من دوير العوينية سألته عن الفرن الموجود في تلك القرية فضحك بسخرية وقال: خليها على الله. فهل يعقل أن يقوم تاجر باستجرار الخبز من الدريكيش المزدحمة بالوافدين هذه الأيام وفي قريته فرن خاص أعتقد أن طاقته الإنتاجية تكفي عدة قرى محيطة بدوير العوينية؟!
مدير التموين: قلة المراقبين
بعد الاستماع إلى هذه المنغّصات وغيرها كان لابد من وضع السيد عاطف أحمد مدير التموين وحماية المستهلك في طرطوس بصورة عمل الأفران الخاصة فتحدث بكل شفافية وقال: أعلم أن هناك مخالفات يومية في عمل الأفران الخاصة وهناك بحدود 190 ضبط تمويني وإغلاق لعدد من الأفران.. لدينا بحدود 70 فرناً خاصاً في المحافظة موزعة من جرد القدموس حتى جرد الدريكيش وصافيتا والشيخ بدر.. نحن على استعداد لتنظيم ضبوط تموينية بشكل يومي بحق المخالفين، ولكن المشكلة أننا لا نملك كادراً يستطيع تغطية عمل الأفران الخاصة وبقية الفعاليات التجارية من محلات وكازيات وغيرها.. نتمنى من المواطن أن يقوم بدوره ويساعدنا في كشف المخالفين، ونسعى لأن يمتلك هذا المواطن ثقافة تقديم الشكوى.. نحن لسنا ضد وضع أكثر من ربطة خبز في كيس نايلون واحد شريطة أن يكون وزن الربطة نظامي.. وفيما يتعلق بعمل التنانير قال مدير التموين: أتمنى لو تقوم البلديات بترخيص التنانير وعندئذ يتمكن صاحب التنور من الحصول على الطحين اللازم من المطحنة بالسعر المقبول، وبالتالي يتم بيع الخبز بأسعار مقبولة أيضاً.. أتمنى أن يعود البيع بالكيلو وأن ينتهي البيع بالربطة فبذلك نتمكن من ضبط عمل الأفران.
أخيراً
في مجمل الأحوال فإن الحزم والشدّة في التعامل من قبل الجهات الرقابية مع المخالف تعيده ولو بعد حين إلى جادّة الصواب، وأتمنى على المواطن الذي فقد على ما يبدو ثقته بمعظم الجهات الرقابية أن يضع هذه الجهات تحت المحك – إن جاز التعبير – ويعتاد على الشكوى مرة وأكثر ومتابعة هذه الشكوى. وأجزم بأنه لو كان هناك تدرّج في العقوبة تنتهي بعد عدّة شكاوٍ بسحب الرخصة من صاحب الفرن المخالف لما تجرأ على الاستمرار في المخالفة.. وحبذا لو تتم العودة للبيع بالكيلو، حتى ولو كان ذلك دون كيس النايلون، لأننا وجدنا لدى العديد ممّن التقينا بهم رغبة في ذلك.. فهل سيأتي اليوم الذي ينتهي فيه انفلات عمل الأفران الخاصة بطرطوس؟!. هذا ما نتمناه ويتمناه كل مواطن.