«داعش» خطر داهم.. ومواجهته مسؤولية المجتمع الدولي
يطرح الإقرار الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً، في الأسابيع الأخيرة، بتحول (داعش) إلى خطر دولي يمسّ الأمن والاستقرار العالميين، تساؤلات حول تأخّره من جهة، وطبيعة مواجهته وآلياته المطلوبة من جهة ثانية. ويؤكد مرة أخرى صحة ودقة ما أعلنته دمشق مراراً وتكراراً، منذ بدء الأزمة السورية قبل ثلاث سنوات ونصف السنة، أن محاربة الإرهاب في سورية هي مهمة عالمية.
وتدل التصريحات الأخيرة الصادرة عن أركان البيت الأبيض، رئيساً ومستشارين ووزارة خارجية، إضافة إلى مسؤولي البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية)، على حجم المأزق الأمريكي الذي حاولت واشنطن تجنبه طوال سنوات الأزمة السورية.. كذلك تصريحات العديد من وزراء خارجية الدول الغربية، وبخاصة الصقرية منها، التي اختطّت أيضاً، نهجاً سلبياً في تعاطيها مع الأحداث السورية، فضلاً عن مساهمة (الأوربيين) والأمريكيين في دعم هذه العصابات الإجرامية وتمويلها، والمسؤولية الموثقة عن إنشاء عصابات (داعش) مبكراً، والطلب من الوكلاء والأدوات المحلية والإقليمية تقديم الدعم والتسهيلات اللوجستية لهذه الظاهرة، التي جابهتها سورية مبكراً ومنفردة، وتحاول مقارعتها راهناً الدول المسؤولة عن نشوئها وامتداداتها في سورية والعراق، وفي معركة بلدة عرسال اللبنانية، بعد أن تجاوزت الخطوط الحمر الغربية في ممارساتها وعقيدتها أيضاً.
وإن كان مطلوباً غربياً أن تتواصل الأزمة في سورية بين وطنييها والحريصين عليها من جهة،و(الدواعش) و(النصرة)، ومن لفّ لفّهم، لإضعاف الطرفين وإشغال سورية بقضاياها الداخلية على حساب دورها الهام في المنطقة، التي بدت لهم سورية صرفة، فإن اقتحام داعش السريع، بعد أن اشتد عودها، محافظات عراقية بأكملها، وتهديدها الأمن والاستقرار في المنطقة، وهذا ما أكدته أيضاً أحداث بلدة عرسال الأخيرة، قد دقت ناقوس الخطر بما يتجاوز المنطقة برمتها. وجاءت حادثة قتل الصحفي الأمريكي جيمس فولي الوحشية، والتهديد بقطع رأس صحفي أمريكي آخر يدعى سيمون سوتلو، وما أثارته من ردود فعل غاضبة ومستنكرة لدى وزراء خارجية العديد من الدول الغربية، وبخاصة فرنسا وبريطانيا وهولندا.. إلخ، وصولاً إلى ضرورة إعلان الحرب ضد داعش. ونضيف هنا طبعاً استنكارنا وإدانتنا لهذه الجريمة البشعة، ونذكّر في الوقت نفسه بقطع رؤوس العشرات من المدنيين السوريين والعراقيين الأبرياء، على أيدي مجرمي داعش يومياً، التي لم يستنكرها ولم يُدنها المسؤولون الأوربيون والأمريكيون بعد.
ورغم أن الرئيس الأمريكي أوباما قد أمر قبل أيام مقاتلات سلاح الجو بضرب مواقع داعش في العراق، وأعلن وزير دفاعه تشاك هيغل أن داعش تمثل تهديداً للولايات المتحدة: (لقد تجاوزوا كونهم مجرد جماعة إرهابية، وزاوجوا بين الإيديولوجيا والاستراتجية والقدرة القتالية، هم ممولون تمويلاً جيداً، إنهم يمثلون ظاهرة لم نر مثيلاً لها من قبل). ودعا السناتور الأمريكي الجمهوري المتشدد جون ماكين إلى زيادة الضربات الجوية الأمريكية ضد معاقل داعش في العراق. (نذكر هنا أن ماكين اجتاز الحدود الشمالية السورية قادماً من تركيا بطريقة غير نظامية، اجتمع خلالها بمسؤولين عسكريين من العصابات المسلحة بهدف زيادة الدعم الغربي والأمريكي المقدم لهم).
ودعت فرنسا، السلبية في تعاطيها مع الأزمة السورية، الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، إلى تحرك مشترك للقضاء على داعش في العراق وسورية، كذلك طالبت بذلك هولندا وبريطانيا وغيرها من الدول الأوربية.
لن نعلق هنا الآن على من أنشأ داعش وأمثالها وموّل هذه العصابات ودعمها أولاً، ولا أوهام لدينا حول حقيقة الموقف الأمريكي ومصالح واشنطن في المنطقة ثانياً، ورغبتها في العودة إليها من النافذة. لكننا نشير إلى أن هذه التصريحات والاعترافات تؤكد أن الخطر عالمي- رغم التأخر الكبير في الإقرار به، وأن ذلك يكاد لا يعني شيئاً على الأرض، في مقارعة داعش والقضاء عليها، دون سياسة عملية تبدأ بتجفيف منابع إمداد هذه الظاهرة الخطرة ودعمها من الدول الأوربية عموماً، ومن الوكلاء المحليين والإقليميين خصوصاً.
ما يقتضي الوصول إلى توافق دولي حول كيفية محاربة داعش، التي بات الجميع يقر بخطرها، ومتطلبات هذه المواجهة واستحقاقاتها أيضاً. ويتصدر ذلك أولاً مساعدة سورية في صمودها الوطني، ومواجهتها للإرهاب التكفيري الداعشي وغيره. ولا نقصد هنا على الإطلاق مشاركة عسكرية غربية – أمريكية في القتال ضد الإرهابيين، فسورية لا تثق بمن دعم هذه العصابات في سياق تخريب ممنهج وتدمير مدروس ضدها، بل بوقف الإجراءات الغربية الظالمة ضد سورية، ورفع الحصار الاقتصادي- السياسي الذي أضر بالشعب السوري وبصموده وتصديه للإرهاب الداعشي وغيره.. كذلك في عودة عمل السفارات الغربية علناً ورسمياً، وليس في التفاوض تحت الطاولة، وفي الغرف المغلقة حول كيفية التعاون ضد هذا الإرهاب المتفشي، عندما يضر بمصالح الآخرين. المسألة باتت اليوم داعش وأتباعها وشقيقاتها من القاعدة والإخوان المسلمين وغيرهم، وتالياً كيفية مواجهة هؤلاء الظلاميين والسلفيين، وأن المطلوب خطوات واضحة ومعلنة ورسمية، في سياق محاربة داعش، فالقضية اليوم ومرة أخرى وبإقرار دولي صريح بصيغ وأشكال مختلفة، جوهرها: من مع هذه الظاهرة الخطيرة والغربية على مجتمعاتنا، ومن يقاتل ضدها، وهذا هو الجوهري والأساسي، الذي لم يعد يقبل سياسة انتقائية أو تعاملاً انتقائياً مختلفاً بين بلد وآخر أيضاً.