إرهابي لله يا محسنين…!
بعد أن آمنتُ بأن جوائز اليانصيب لا نصيب للفقير فيها، وبعد أن اقتنعت بأن الحصول على قرض بات يحتاج إلى معاملات أصعب من معاملات صندوق النقد الدولي، وجدت أن لا سبيل أمامي لتسديد أقساط عظام البيت الذي اشتريته منذ سنين سوى بالحصول على إرهابي، أو بالأحرى دزينة من الإرهابيين،لأنه حسب الإعلان المنشور بالتلفزيون سأحصل على مكافأة 500 ألف ليرة إذا ألقيت القبض على إرهابي، و200 ألف ليرة لو كنت قنوعة واكتفيت بالتبليغ عن وجوده، لكن المشكلة أنهم يشترطون أن يكون الإرهابي أجنبياً، يعني عقدة المستورد تلاحقنا حتى هنا، ولا أعرف لم لا يرضون بإرهابي بلدي عواس!؟ المهم وضعت الهدف نصب عيني، ونمت وأنا أحلم بأني اصطدت عدداً كبيراً منهم ووضعتهم في سلَّة كبيرة، وما لبثت أن استيقظت على طرقات رهيبة فوق بابي، قلت لنفسي: يا سبحان الله، ها قد أتوا بأرجلهم إليَّ، فلا يمكن أن يكون الطارق في هذا الوقت سوى إرهابي مزعج، أمسكت الهاون بيدي اليمنى، بينما رحت باليسرى أتصل عبر الموبايل بالجهة المسؤولة عن تجميع الإرهابيين،لكن لحسن الحظ وجدت أن رصيدي من الوحدات صفر، وأقول (لحسن الحظ) لأني حين فتحت الباب صدمت بصاحب البيت يصرخ في وجهي مذكّراً بالأجرة التي علي دفعها، ثم راح يرهبني مهدداً بأنه سيقطع عني الماء والكهرباء، وأنا من جهتي رأيت أن أتعامل مع الموقف بحكمة، فوعدته بأني سأدفعها فور عثوري على ابن حلال صاغ سليم وجيوبه مليئة – أنا أتحدث طبعاً عن الصرَّاف الآلي – وقد لاحظت أنه اقتنع سريعاً، ربما لأن مأساتنا مع الصرافات صارت تحرك الوجدان الإنساني، أو قد يكون السبب هو السلاح التقليدي الذي أحمله بيدي، وكما هو معروف فإن يد الهاون تحولت إلى سلاح بعد أن صارت الكبة من التراث المنسي! وبلا طول سيرة، غادر الرجل بعد أن نبهني بلطف إلى أن زجاج نوافذ البيت بدأ يتكسر منذ سكني فيه بسبب صراخ أولادي وضجيجهم. بعد ذلك قلت لنفسي: ها قد أطل الصباح وزقزق الدبور، فما علي سوى أن أنطلق لتأمين رحلة على متن الخطوط البرية الانحشارية. ولكي لا تتشعب قصتي مثل قصص ألف ليلة وليلة، فلن أتحدث عن الطريقة التي وصلتُ بها إلى أحضان الباص الحنون، وأعود إلى الحديث عن المهمة التي صرت مشغولة بها، فهناك وقفت مع جمهور الواقفين، ورحت أتملى وجوههم، عسى أن أعثر على علامة تقودني إلى إرهابي دسم، لكن لاحظت أن السعادة والرضا ظاهرة على وجوه الجميع، بسبب تمكنهم من اقتناص موطىء قدم في الباص العجيب، بل إن بعض الطلاب المرحين راحوا يهتفون: (يا شوفير دوس دوس هي صرنا متل المكدوس!) وآمنت وقتئذ أن كل هؤلاء هم مواطنون شرفاء مادامت حدود أمانيهم لا تتعدى معانقة باب الباص… ثم إني لم أتمكن من سماع أي حديث يدور بين الركاب، ويمكن أن يرشدني، الى نوايا إرهابية، والسبب ليس صوت السائق الرهيب وهو يصرخ فينا (لجوّا يا شباب لجوّا…) وإنما السبب هو أن الناس لم تكن تتكلم أبداً، فكل واحد في عالمه الافتراضي، إذ نرى الموبايل في يده، والسماعات في أذنيه، ولا يأبه بكل ما حوله، منظرهم ذكّرني بحكاية المدينة التي تحجّر سكانها بفعل السحر!
حين وصلت إلى عملي كنت أعاني دوار الباصات، فجلست أستعيد توازني، وكدت أغفو، لولا أن تناهى إلي حديث مريب بين زميلتين لي في الغرفة: كن يتحدثن عن إرهابيات… فنهضت فوراً بنشاط، وأنا أتساءل بيني وبين نفسي عما إن كانت تسعيرة الإرهابية مثل تسعيرة الإرهابي، أم سيتبعون المبدأ الشرعي: كل امرأتين برجل؟! لا بأس على كل حال، فمئة ألف ليرة أيضاً ليست سيئة،اقتربت من الزميلتين المتحاورتين بعد أن شغلت أجهزة الإنصات الأنثوية، فسمعت إحداهن تقترح تصنيف الحموات ضمن المنظمات الإرهابية، نظراً لدورهن في تفجير الأزمات بين الأزواج، ومسؤوليتهن عن إطلاق القذائف اللفظية القاتلة.
في نهاية اليوم كنت محبطة، لفشلي في العثور على إرهابي خطير أو حتى حقير، ينقذني من أزمتي المالية، فقررت أن أرفّه عن نفسي بالتنزّه في السوق والفرجة على أصناف الفاكهة، ولأني أعلم أن التجار ينزعجون من أسلوب المرأة في الشراء، فقد رحت أستفزهم، بالتنقيب في الصناديق، ثم فحص كل حبة عوجة أو فريز بيدي، وبعد ذلك أشمُّ رائحتها، ثم أعيدها إلى مكانها وأسأل ببرود عن الثمن، لكن على مين؟ فالتاجر كان يسألني بخبث: كم كيلو تريدين؟ وكأنه لا يعرف أننا صرنا بفضلهم نشتريها بالعدد ونتناولها بجرعات محددة مثل الدواء!
مشيت في طريقي وأنا أهز يدين خاويتين وأتساءل: ما دام العثور على إرهابي من فئة النصف مليون أو المئتي ألف غير متاح، ألا يعطونني جائزة ترضية لو سلمتهم إرهابياً من النوع المألوف، ممن يخفون السلاح القاتل وراء ابتساماتهم أو بين أوراق مكاتبهم؟!