إنتاج الزيتون في تناقص.. فهل تنبّهت وزارة الزراعة؟!
كانت شجرة الزيتون ولفترة قريبة جداً تحتل المرتبة الأولى بين الأشجار المثمرة في محافظة طرطوس، سواء من حيث عدد الأشجار أو من حيث المساحة المزروعة، وتأتي محافظة طرطوس في المرتبة الثالثة على مستوى القطر بإنتاج الزيتون، طبعاً بعد محافظتي إدلب وحلب، فيما يشكل الزيتون مورد رزق لمئات العائلات الفقيرة في المحافظة.. إذ يعتمد نحو 85 % من سكانها على زراعة هذه الشجرة، وقدرت المساحة المزروعة بالأشجار المثمرة في طرطوس بنحو88100 هكتار، منها 703450 هكتار مزروعة بأشجار الزيتون، والباقي مزروعة ببقية الأصناف من الأشجار المثمرة.
أمراض شجرة الزيتون
إن أهم مرض يصيب شجرة الزيتون هو مرض تبقّع عين الطاووس، وتزداد المساحة المصابة بهذا المرض عاماً بعد عام، بسبب الظروف الجوية السيئة التي حالت دون إكمال عملية المكافحة. وتأتي في الدرجة الثانية ذبابة ثمار الزيتون، ولهذه الحشرة أربعة أجيال، حيث تبدأ الإصابة في النصف الثاني من شهر حزيران على الصنف الدعيبلي بشكل أساسي، تضع الذبابة يرقاتها، وكل يرقة تؤدي إلى فقدان ربع ثمرة الزيتون، ما يؤدي إلى تساقطها على الأرض وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يعدون هذه الثمرة أحد مصادر رزقهم، كما أكد العديد ممن التقينا بهم، في مناطق صافيتا والدريكيش والشيخ بدر.
.. وصعوبات
إضافة إلى ذلك تعاني زراعة الزيتون في طرطوس جملة صعوبات تؤدي إلى ضعف إنتاجيتها وعدم اقتصاديتها وارتفاع تكلفة الإنتاج، وأهم الصعوبات: تفتت الحيازات الزراعية وتوزعها، الأمر الذي يؤدي إلى الصعوبة في تقديم الخدمات الزراعية، إضافة إلى مناخ المحافظة الربيعي والخريفي الدافئ والرطب، ما يؤثر على زيادة انتشار الأمراض التي ذكرناها سابقاً كـ(فطر تبقع عين الطاووس وغيره)، وقد اقترح الفنيون الزراعيون لمعالجة واقع شجرة الزيتون، وضعف إنتاجيتها عدداً من الحلول التي تحد من خسارة المزارع لمحصوله:
– الأول: تغيير نوعية الزراعة في المواقع الأكثر إصابة بمرض تبقع عين الطاووس (الأودية والمنخفضات)، كأن تزرع بالحمضيات بدلاً من الزيتون، وهذا ما حصل في مناطق كثيرة في طرطوس، إذ اقتلعت الزيتون وزرعت الحمضيات الأكثر إنتاجية واقتصادية بدلاً عنها.
– الثاني: تطعيم أشجار الزيتون بأصناف تحتمل المرض، وهذا ما حصل فعلاً في العديد من المناطق المزروعة التي زرناها في المحافظة.
تجربة مفيدة ومتميزة
المزارع محمد علي من صافيتا قال: في فترات انتشار مرض عين الطاووس لاحظنا أن هنالك بعض الأشجار في قرية البويضة التي يزيد عمرها الزمني على خمسين عاماً لم تصب أبداً، ولم تسجل أية حالة للمرض عليها خلال عقود طويلة من الزمن، وتحمل بشكل جيد في كل عام حتى في سنوات (المعاومة) وسنوات الإصابة الشديدة بمرض عين الطاووس، والتي كنا نلاحظ فيها تعري الأصناف المعروفة بالدعيبلي في جوارها، لم تصب أية ورقة فيها بالمرض. وبين المزارع محمد أن هذه النوعية من الأشجار غير معروفة الصنف حتى الآن؟! وهي ذات أوراق سميكة وثمارها متوسطة الحجم ولم تسجل أية إصابة بمرض تبقع عين الطاووس وغير معروفة نسبة الزيت الناتج في الثمار، لأن الصنف غير مدروس حتى الآن، وتنخفض على هذه الأشجار الإصابة بذبابة الثمار أيضاً، وتشبه ثماره ثمار صنف المنيقري، وقد طعّم هذا الصنف على أشجار تصاب بشدة بالمرض، وجرى تطعيم جزئي للشجرة عن طريق تطعيم فروع من الشجرة سنوياً، وترك البقية لسنوات قادمة، للمقارنة.. وبعد سنوات تبين أن الغصن المطعم أعطى إنتاجية جيدة أكثر من بقية الأغصان غير المطعمة ولم يتأثر بالظروف المناخية المحلية، ما جعل نسبة كبيرة من المزارعين يسارعون إلى تطعيم أشجارهم من هذه الشجرة.
معاناة تتكرر
المزارع مدحت محمود من قرى الشيخ بدر يملك بستاناً من الزيتون يقدر عدد أشجاره بأكثر من خمسمئة شجرة مثمرة، تحدث عن انزعاجه من عمل الوحدات الإرشادية، وهذا ما أكده عدد من المزارعين.. فعناصر هذه الوحدات تكتفي بالجلوس في مكاتبها بانتظار من يأتي إليهم، لكنهم لا يقومون بأي جولة ميدانية على البساتين للوقوف على حالتها.. منذ ثلاث سنوات والزيتون في تراجع، وكم تمنينا لو جاءنا أي شخص من الزراعة أو الوحدات الإرشادية وسألنا عن معاناتنا.
أنواع جديدة
بعد أن استمعنا لعدد من المزارعين، وتجولنا في الكثير من المساحات المزروعة بالزيتون هي تدعو للبكاء أحياناً، ولم نصادف في بعض البساتين حبة زيتون واحدة، قصدنا رئيس دائرة الزراعة في الدريكيش حازم كنعان، وسألناه عمّا شاهدناه فقال:
طبعاً تلعب الظروف الجوية دوراً مهماً في ذلك، فمن المعروف أن الزيتون يعطي في سنة ويرتاح في السنة الثانية، ولكن الذي حدث ويحدث بسبب الظروف الجوية وارتفاع الحرارة وقلّة الأمطار، مما أدى إلى عدم تحوّل البراعم الزهرية إلى ثمار، أضف إلى ذلك الصقيع الذي حدث في نهاية نيسان أثّر على الثمار، وهناك الإصابة بمرض عين الطاووس.. معظم أشجارنا من صنف الدعيبلي والخضراوي، وهذان الصنفان حساسان جداً لمرض تبقع عين الطاووس وعدم قيام الفلاح بالخدمات الزراعية للحقل من تسميد وحراثة وتسميد وتقليم.
وسألناه عن دور الوحدات الإرشادية ومصلحة الزراعة في توعية الفلاح، فأكد أن عناصر الزراعة يقومون بجولات على القرى، ولكن كما هو واقع الحال فإن بعض الإخوة المزارعين، لضعف السيولة لديهم، بسبب غلاء السماد والمبيدات واليد العاملة، يقومون بإلقاء اللوم علينا.
وعن سؤال يتعلق بالدعم الزراعي الذي كان يقدّم للإخوة المزارعين، أوضح أن قرار الدعم قرار مركزي، وهو متوقف منذ سنتين، وكان لدينا يومذك اقتراح بأن يقدّم هذا الدعم على أساس أسمدة ومبيدات وليس بدلاً مادياً. المبيدات للزيتون ليست أساسية، فكما ذكرنا بقية الخدمات الزراعية هي المؤثرة على هذه الشجرة.
وفيما يتعلق بإدخال أصناف جديدة مقاومة لمرض عين الطاووس أوضح كنعان أن وزارة الزراعة اعتمدت هذا العام صنفين هما السكري والعيروني، وهما صنفان وجد مكتب الزيتون بإدلب أنهما مقاومان لمرض عين الطاووس، وخاصة صنف السكري، ونحن نقوم الآن بحملات توعية للفلاحين لتعميم هذه التجربة، وهناك العديد من الإخوة الفلاحين الذين راجعونا هذا العام لتأمين مطاعيم من هذين الصنفين، وهذه المطاعيم من حقول خاصة في قرى صافيتا.
أعتقد أن هناك خطة في وزارة الزراعة، وأن هناك فريقاً في طرطوس يدعى (الفريق الوطني للزيتون) مكلف بتطعيم المناطق المصابة بهذا المرض حتى العام ،2020 ومن المفروض أن نكون قد انتهينا من هذا المرض.
وعن التوقعات بالإنتاج هذا العام فهي بحدود 20 بالمئة، كما حددتها مصلحة الزراعة ومديرية الزراعة.
هل يعقل يا زراعة طرطوس؟!
انطلاقاً من المثل القائل: (رب البيت أدرى بالذي فيه)، حاولنا الاتصال بمديرية الزراعة بطرطوس، ولعدة ساعات بقي المقسم مشغولاً، وعندما سمح لنا الحظ بالرد، أجاب عامل المقسم، وكانت الساعة نحو الثانية والربع، بأن الموظف المختص قد خرج جولة، طلبنا التحدّث مع من ينوب عنه أو أي مسؤول عن موضوع الزيتون، فحوّلنا إلى الأستاذ حسن حمادة، وعندما طرحنا عليه ما يؤرّق الفلاح ويؤرّقنا طلب منّا تحويل السؤال عن طريق المدير، بذريعة أنه غير قادر على إعطاء أي إجابة قبل موافقة المدير.. من هنا تأكدنا أن المثل السابق على ما يبدو لا ينطبق لا من قريب ولا من بعيد على مديرية الزراعة، ولولا تأخر الوقت، لكنّا اتصلنا بمديرية السياحة علّها تعطينا الجواب، فهل بهذه العقلية وهذه الذهنية يمكننا الإقلاع بالواقع الزراعي؟! من جهتي لا أعتقد!
أخيراً: حال وواقع إنتاج الزيتون المتردّي عاماً بعد عام في طرطوس يدعو للكثير من علامات الاستفهام حول الخطة التي وضعتها مديرية الزراعة والوحدات الإرشادية للتخفيف من هذا التردّي، وهنا لا أعلم ما هو المبرّر كي تبقى وزارة الزراعة كل هذه المدّة تنتظر تناقص إنتاج الزيتون عاماً بعد عام إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه الآن؟! سؤال برسم المعنيين في وزارة الزراعة علّهم، يلتفتون إلى واقع هذه الشجرة التي تشكل ركناً أساسياً في الدخل القومي؟!