ممارسات واحتجاجات

تعددت أشكال الاحتجاجات على سياسات القمع والأنظمة الديكتاتورية الشمولية على مر التاريخ. وتعلَّمت شعوب العالم أساليب كثيرة، وخلَّفت تجارب تطورت وتعددت أشكالها، خاصة في العامين الماضيين. ففي تشيلي في أمريكا اللاتينية مثلاً، وفي العقود الأربعة الماضية في عهد الديكتاتور (بينوشيت)، عندما كان القمع على أشده، كانت النساء يفتحن نوافذ البيوت ويضربنَ طناجر النحاس بالملاعق.

ومن تجارب الشعوب المقهورة تطورت الاحتجاجات من التظاهر والاعتصام، وإطلاق الشعارات وترديد الهتافات والأناشيد والأغاني، إلى الصمت والجلوس على الأرض دون حراك، أو وضع لاصق على الأفواه، ورفع شعارات ومطالب على كراتين مثبّتة على أعواد، والسير في الشوارع دون كلام.. وكانت في حالات التصعيد والحماسة، تجري مواجهة بين المتظاهرين وأجهزة الأمن.

وظهر تنظيم جديد يطلق على نفسه اسم (حركة فيمين). وهي حركة نسائية أوكرانية احتجاجية، دعت إلى إعلان الرابع من نيسان (يوم الكفاح العالمي بالصدور العارية). وزعمت أن ثورة ربيع عربي أصيلة جديدة، لضمان الاستمتاع بالحرية دون تهديدات من السلفيين المتزمتين. وأن الربيع العربي لنساء شمال إفريقية، بات شتاء يتضمّن تطبيقاً قسرياً للشريعة الإسلامية، بما يحرم النساء من حقوقهن السياسية ويسلبهن حقوقهن، وذلك رداً على دعوات إسلاميين تونسيين، إلى قتل ناشطة تونسية اسمها (أمينة تايلر)، نشرت مؤخراً صورة لها نصف عارية على الإنترنت.

إن التعري ظاهرة احتجاجية جديدة، ووسيلة للدفاع عن المرأة من أجل تحقيق مطالبها. ودعت هذه الحركة النساء إلى الاحتجاج أمام مقرات السفارات التونسية في مختلف دول العالم، تضامناً مع الناشطة التونسية ابنة ال 19 ربيعاً، تحت شعار (جسدي ضد الأسلمة).

وقامت أيضاً ناشطات باقتحام المنطقة المحيطة بمسجد الأحمدية ببرلين، وهن عاريات الصدور للتضامن مع أمينة التونسية، وكتبن الشعارات على أجسادهنَّ. وتظاهرنَ ضد بوتين أثناء زيارته إلى ألمانيا، وتفقده معرض هانوفر. وعلى أثر ذلك قال الرئيس الروسي:(استمتعت بذلك. إن مثل هذه الحملات تؤدي إلى زيادة الحديث عن المعرض، ولا أرى شيئاً مفزعاً في ذلك!). وأشارت ميركل إلى حرية التظاهر، إلاَّ أنها انتقدت هذا الشكل من الاحتجاج.

ليست المفارقة بأشكال الاحتجاج، بل بما يجري في قطاع غزة الواقع تحت سلطة حركة حماس الإخوانية. والحملة التي يقوم بها جهاز أمنها، فقد أثار موقفها استهجان القاصي والداني.. مَنْ في داخل فلسطين ومن هو في الخارج، واحتجَّ شيوخ الإفتاء المعتدلين، ومسؤولون في بعض المنظمات الفلسطينية على هذه السياسة.!

وأثارت حملة (ارفع بنطالك الشرطة خلفك) التي أطلقتها حماس، انتقادات واسعة، وذلك لملاحقة الشباب الذين يرتدون سراويل الخصر الزاحل.

وترافقت هذه الحملة مع سنّ قانون حماسي، يمنع الاختلاط في قطاع غزة بين التلاميذ، ويمنع المعلمات من تدريس الطلبة، والمعلمين من تدريس الطالبات. وإصدار التعليمات للشرطة بالتدخل في شؤون المواطنين الخاصة، وتزويدهم بالشفرات والمقصات لقص شعر الشباب الذين يطيلون شعرهم.

ومن الحوادث التي جرت في أحد مطاعم غزة، وتناقلتها العجائز والشرائح الاجتماعية الفلسطينية من مختلف الأعمار والمواهب والوظائف والمهن، أن شابين كانا في المطعم يرتديان بناطيل ضيقة. فقام أحد العسس الموجود في المطعم، بالاتصال بالشرطة التابعة للسيدة حماس، التي حضرت فوراً وبأقصى سرعة، وأخذت الشابين إلى داخل مبنى مهجور.. وبعد دقائق خرج الشابان نصف شعرهم محلوق وملابسهم ممزقة..!

يمكننا القول بعد هذا العرض، أنه بالإمكان أن تكون الاحتجاجات بلباس الميدان الكامل دون التعري.. ولكن أن تظهر الأنثى جسدها عارياً، هو شكل من أشكال الإغراء، باعتباره فاكهة (الربيع العربي) لمن ينظر إليه ويقرأ الشعارات  المكتوبة عليه!

والفرق كبير وحاد وجارح بين من يطالبن بحقوق المرأة ضد الفكر الجاهلي المتخلف، وبين من يقمع الحرية الشخصية ويبني الجدران بين الذكور والإناث! الفرق إذن كبير جداً بين حركة حماس الغزاوية، وحركة نيفين الأوكرانية..!

العدد 1140 - 22/01/2025