فيتوريو أريغوني: الإنسان… الصرخة
أطل فيتوريو أريغوني من نافذة شقته على منظر الخراب الذي أهدته صواريخ الطائرات الإسرائيلية لحي المرفأ القريب. خرج من بابه كي يرى الزلزال الذي أصاب منظراً بانورامياً كان لجماله فعل العجائب على مزاجه كل صباح. كان يعتقد أن هذا كل ما في الأمر، بضعة صواريخ وينتهي اللهو الإسرائيلي، لكن آماله تكسرت حين علم بأن الجحيم قد انفتح على 210 جثث نثرتها الصواريخ على طول منطقة العباس في صباح غزة المحاصرة، كأول قطاف لعدوانها الذي أسمته (عملية الرصاص المصبوب). وفي مشفى الشفاء، حيث تبرع بالدم هو ورفاقه من حركة التضامن الدولية، رأى فيتوريو الجثث تملأ المكان. ورأى بين الجثث وجوهاً اعتاد أن يلقي على أصحابها التحية كل صباح. كانت غالبيتهم من الصغار والشبان الذين لم يطلقوا ولو رصاصة باتجاه جنود الاحتلال. حينئذ قرروا عدم مغادرة القطاع، سيبقون هناك (لتقديم رواية شاهد عِيان على الجرائم التي يقترفها الكيان الصهيوني بحق سكان مدنيين مجردين من السلاح ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة)، كما قال في يومياته.
فيتوريو أريغوني، الصحفي الإيطالي، أو فيكتور كما يحلو لأهل غزة تسميته، وصل إلى قطاع غزة في آب 2008 على متن أول القوارب التي شرعت حركة التضامن الدولية بتسييرها لكسر الحصار الإسرائيلي وإيصال المساعدات إلى الشعب الفلسطيني الذي عاقبه الإسرائيليون (بزجه في أكبر معتقل مفتوح في العالم بسبب الإثم الذي اقترفه باختياره حركة حماس ديمقراطياً في انتخابات عام 2006) حسب تعبير المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي. بعد فترة قصيرة من وصوله، أخذ يخرج ورفاقه في مراكب صيد السمك الفلسطينية لمنع البحرية الإسرائيلية من استهدافها. لكن الإسرائيليين اعتقلوه في عرض البحر وأبعدوه إلى بلاده، إلا أنه سرعان ما رجع. وحين شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية (الرصاص المصبوب) عام 2008-،2009 عقد هو ورفاقه في الحركة مؤتمراً صحفياً أعلنوا فيه أنهم سيشكلون دروعاً بشريةً في سيارات الإسعاف لمنع هذه القوات من استهدافها.
عايش أريغوني العدوان بكل مآسيه وفصوله، وساعد في إسعاف المصابين. وصور فظاعاته في تقارير صحفية يومية ظهرت في جريدة (إل مانافيستو) الإيطالية، ثم جمعها بعد ذلك في كتاب أصدره عام 2010 بعنوان (غزة: حافظوا على إنسانيتكم) الذي صدر بالعربية عام ،2011 وقد قال في مقدمته: (يُعَوَّل على هذا الكتاب إشراك وعي القارئ وتنويره والارتقاء به إلى ما تكشف من بربرية السفاحين ووحشيتهم خلال 22 يوماً من المجزرة. إن هذا هو إسهامي المتواضع من أجل منع وقوع مجازر مماثلة في المستقبل). كان القصف الإسرائيلي ما يزال مستعراً، حين أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 13 كانون الثاني 2009 إنذاراً لحركة التضامن الدولية، هو عبارة عن طلب للتبليغ عن أماكن وجود فيتوريو ورفاقه يمكن لأي كان في غزة سماعه حين يرفع سماعة هاتفه للاتصال برقم ما. كما نشر أحد مواقع الإنترنت الأمريكية على صفحته إنذاراً من الجيش الإسرائيلي لأعضاء الحركة يتضمن رقمين للاتصال بهما. أحدهما مخصص للاتصال من داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والآخر من بقية بلدان العالم، للتبليغ عن أماكن وجودهم. كما حدد الإنذار فيتوريو بأنه الهدف الأول للقوات الجوية الإسرائيلية واضعاً صورته في أسفل الإنذار مع هامش يقول: إنه يعيش في غزة ويساعد حماس). لم تستطع القوات الإسرائيلية قتل فيتوريو، لكن ضحاياها من مواطني مدينة غزة حققوا حلمها، سلفيون لم تنفع صرخته التي أطلقها عبر العالم بأن (حافظوا على إنسانيتكم) وأصبحت شعاراً للمظاهرات المطالبة بوقف الحرب، بدفعهم إلى رؤية ما يحمله فيتوريو من نبل فاجأ فيه أهل غزة. كما لم تنفع دعوته تلك الموجهة لشعوب العالم للعودة إلى إنسانيتها والوقوف إلى جانب أهل غزة بتأثر هؤلاء السلفيين بها. فلم يكن ليخطر في بال فيتوريو مرة أن صرخته تلك كان يجب توجيهها إلى داخل القطاع، إلى من أفرغوا أنفسهم من الإنسانية وقتلوه، مدخلين البهجة إلى قلوب قاتليهم الإسرائيليين.
لفت فيتوريو نظر القراء إلى أن أوراق الكتاب (ملطخةٌ بالدماء، كما أنها مشبعةٌ بالفوسفور الأبيض). وحذرهم: (إنني أشعر بالقلق على شغاف قلوبكم التي أعترف أنها لم تصبح حتى الآن عازلةً لأصوات الألم). إلا أنه لم يكن يعلم أن مِن بين الذين احتضنوه في غزة ودافع عنهم، مَن أصبحت شغاف قلوبهم عازلة لأصوات الألم، فاغتالوه في الخامس عشر من نيسان 2011. لكن ذكراه ستبقى في كل عام تحوم في ليالي قاتليه، وستبقى منارة لأناس لم تنجح تلك الجريمة في منعهم من المحافظة على إنسانيتهم ولا من الاستمرار بالتوافد في قوارب تحمل المساعدات إلى غزة.