الحوار وإدارته وألوان ممارسته في الأزمة

ليس بعيداً عن الحقيقة أن نقول إننا لم نفعل الكثير مما وجب القيام به درءاً للأزمة الدموية والسياسية والاجتماعية والمعيشية الخانقة التي تتوالى فصولها على وطننا. ولن نضيف جديداً إذا أكدنا أن الحل السياسي هو الوحيد الذي يخرج سورية من الأزمة، وهو أمر تردد على ألسنة الأطراف المعنية بحل الأزمة في السلطة والمعارضة السلمية، وضمّن في خطة النقاط الست للأمم المتحدة، وفي اتفاق جنيف، وفي أفكار الإبراهيمي للحل، وفي مبادرات عديدة عربية وإقليمية.

والحل السياسي للصراعات الداخلية في أي بلد يبدأ بالحوار، وللصراعات بين الدول يبدأ بالتفاوض. وفي الأزمة السورية نستغرب أنه ما إن تفتح نافذة للحوار حتى تنغلق، ويستمر العنف في احتلال المشهد، وهو عنف تجاوز كل عرف، وتجاهل القوانين والمواثيق والاتفاقيات المعمول بها في الحروب.

وقدّم حزبنا أفكاراً جدية بشأن حل الأزمة بالحوار عبر حزمة من الإجراءات العاجلة المساعدة على إنجاح الحل، وقدمت قوى وتيارات وشخصيات أفكاراً ومبادرات هامة. لكن تعقيد الصراع وتدخل أطراف خارجية بالأزمة تسليحاً وتمويلاً وانحيازاً لطرف أو أطراف بعينها لا تبحث عن حل، ولا تملك رؤية لخروج آمن من الأزمة وهي مرتهنة للأطراف المساندة لها، والمصرة منذ بداية الأزمة على تدمير سورية دولة ودوراً  عطل الحوار، وأغلق نوافذ الحل السياسي، وخلق عبر مكناته الإعلامية وشائعاته بلبلة وتشوشاً وإحباطاً.

ولن أخوض في تفصيلات مفاهيمية حول الفارق بين الحوار والحديث العادي، أو بين الحوار المسؤول بين أنداد، وبين الإملاء أو الإذعان في مجتمع هرمي مراتبي ما زال نفوذ العلاقات البطريركية الأبوية والأوامرية قوياً فيه. ولم تتقدم فيه العلاقات المؤسسية، وتقديم الكفاءة والخبرة على الولاء والطاعة. ولكني أود أن ألفت إلى مسألة جديرة بالاهتمام وهي أن الحوار من بين عديد من المهارات العملية لا يمكن تعلمه بالتلقين أو القراءة أو الحفظ، بل بالممارسة.

وأقتبس من د. حازم الببلاوي في مقالة منشورة قبل أيام في جريدة (الأهرام) بعنوان (الأغلبية مسؤولية وليست امتيازاً) جاء فيه: إن مفهوم الديمقراطية تطوَّرَ، ولم يعد مقصوراً على مجرد حكم الأغلبية، إذ أصبح التزام الدولة باحترام مجال خاص ومستقل للأفراد يتمتعون فيه بالحرية وبحرمة حياتهم الخاصة، وبالتدخل لتمكينهم من التمتع بهذه الحقوق، عبر ضمان مستوى كاف من التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل. وأضاف: المسؤولية مقيدة بتحقيق تطلعات الغالبية، مع الاحترام الكامل لحقوق الأفراد والأقليات، وعدم التضحية بالكفاءة والخبرات. والنخبة هي أداة التطوير والتقدم (النخبة السياسية والعلمية والاقتصادية). والنخبة التي تعمل لصالحها وتهمل تطلعات الأغلبية ومصالحها هي وبال على نفسها وعلى المجتمع، وقد دفعنا ثمناً باهظاً لأيام (وعقود) غلب فيها أهل الولاء وهمش أهل الخبرة!

وأعتقد أن الذين وضعوا شروطاً قبل بدء الحوار في السلطة والمعارضة قد أخطؤوا في هذا الجانب، وساهموا بدرجات متفاوتة في تعطيل السير نحو الحل السياسي (اشترطت المعارضات الداخلية السلمية وقف العنف كي تدخل في حوار مع الحكومة والسلطة، واشترطت السلطة أن توقف المجموعات المسلحة عملياتها وتتخلى عن السلاح قبل بدء حوار شامل.

إن تأجيل الحوار وورشاته العملية، الهادفة إلى توافق الأغلبية حول برنامج التغيير السلمي التدرجي، الذي يوقف دوامة العنف، ويحفظ وحدة الدولة واستقلال قرارها، ويوفر مزيداً من الحريات والفرص والعيش الكريم والشراكة في القرار والوطن، تحت أي ذريعة هو تنصُّل من المسؤولية، وخشية من انكشاف الغطاء، ونكوصية تنشر عدوى الإحباط والعبثية وانعدام الرؤية، وتفسح في المجال للأصوليات الزاحفة كي تملأ الفراغ (بحلولها التدميرية).

إن انتظار هذا الطرف وهذه الجهة أن تطلق الحوار الشامل أشبه بانتظار (غودو بيكيت). والأجدى أن تشكل لجان حوار لها أوسع تمثيل في كل مدينة وبلدة ومنشأة ونقابة، تختار لجان متابعة مرنة ونشيطة، تسجل المحاضر وتحضر اللقاءات، وترسل المقترحات للمستويات الأعلى. ويمكن أن تطلع هذه اللجان على تجارب ناجحة وتطبقها في نطاقها. ويمكن لنشاط جاذب بعيد عن البيروقراطية والشكلية أن يفضي إلى مؤتمر وطني جامع يؤسس المرحلة الانتقالية.

قال رئيس جنوب إفريقيا السابق تابو مبيكي أحد حكماء القارة لأعضاء مجلس إدارة الاتحاد العالمي للصحف المجتمعين في جوهانسبرغ: تمنيت أن يكون معنا بعض الوزراء، لكنهم تغيبوا مضطرين، لأنهم يتابعون دروساً خاصة جامعية في الشؤون الاقتصادية والإدارية والمالية. ليكونوا والدولة معهم  على مستوى التطورات في هذه الميادين، فالإنسان في حاجة إلى التجدد إذا أراد أن يكون على مستوى تحديات العصر!

الوزير يتابع الدروس هناك، وعندنا الموظف في المستويات الوسيطة يعد نفسه مرجعاً في اختصاصه! إن الصورة الحالية مدعاة للرثاء، إذ يسيطر التوجس والهلع والتشوش على الغالبية، وتروج أحاديث غير متوازنة، وتعابير يغلب عليها تفريغ الاستياء أو الاحتجاج على غلاء فاحش وفقدان مواد ضرورية، أو تكرار وعود لم تنفذ في أوقات سابقة أقل وطأة، وقد وصف ونوس هذه الصورة عام 1996 في مقدمة مسرحية (السراب)، في استشراف ذكي للكوارث القادمة، فقال: انحط الزمان، وشملتنا غيمة من التخلف والاكتئاب، ومع هذا بقينا مخلصين لتلك الصورة، ولتلك الأيام الحافلة بالعمل والحلم والنزاهة، ولهذا لم يكن عمرنا سراباً!

العدد 1140 - 22/01/2025