ربيع قاتم
لأننا نريد الحياة فنحن نحارب، لأننا لم نفقد كرامتنا يوماً فنحن نحارب، الحرب أُعِلنت والطبول تُقرع،الساعة تتسارع على غير عادتها، عام، واثنان وثلاثة، والحرب مستمرة، و لا أحد يعلم إن كان الربيع الموعود سينتهي في بلادنا، أو أنه سيرحل إلى بلاد أخرى .
أشاهد وجوهاً شاحبة يسكنها الألم، شوارع وأحياء مدمرة، دماء تنزف وورود البلاد مبعثرة، الناس يبحثون عن سقف غرفة لا يدخله الرصاص بعد أن دُمِّرت منازلهم وبعد أن لجأ الكثيرون منهم إلى مناطق آمنة، فدخلت إليها مجدداً رائحة الحرب،ومنهم من لجأ إلى خارج البلاد ليقطن في خيمة صغيرة يستر بها عورة كلماته هو وعائلته الذين يتمتعون فقط بابتعادهم عن الموت وصوت الرصاص، فيدفعون بذلك ضريبة أشياء لا تحصى، من برد قارص في كل شتاء يمر عليهم دون مدفأة يجلسون قربها ولا وقود يشعلون به ناراً ليدفئوا أطفالهم، إلى جوع قاتل ووجبة طعام بطعم المرار، وخيام يسكنها الحزن يأخذون منها مسكناً ومجلساً ينامون ويأكلون فيها، ويحصون الأيام التي مرّت بهم وقد أصبحوا من أهل الخيام التي لم يحسبوا يوماً أنهم سيسكنون فيها، كثيرون ينتظرون الدقائق التي سيلتئم بها جرح البلاد كي يعودوا إلى مدنهم وقراهم.
أشاهد مدارس أصبحت مراكز للإيواء، يتوافد إليها الأهالي من المدن كافة، بعد أن دخلت الحرب مدنهم، فلجأ الكثيرون، منهم من خرج لا يحمل سوى ملابسه إليها وإلى صفوفها التي كانت البيت الثاني للطالب السوري،الذي أصبح أمنيته أن يعود إلى مقعده الدراسي لا أن يكون بعيداً عنه. وأشاهد إشارات المرور التي أصبحت مكتظة بباعة الورود والمناديل الذين أصبحت فرصة العمل لديهم شيئاً يصعب عليهم تأمينها، بسبب الدمار الذي سكن المدن والمصانع والمحال التجارية، أسمع صوت المتسولين وهم يطلبون المال وأشاهدهم وهم يملؤون الطرقات والمناطق الآمنة طلباً للعيش، فالأكثرية منهم لم يعتد هذه الطريقة للعيش، ولكن الحرب لم تترك لهم شيئاً يعيشون منه، فاتخذوا من التسول مهنة ليأتوا في آخر يومهم برغيف خبز كان من أبسط الأشياء التي يمكن أن يحصل عليها أي مواطن، ولكن في ظل الأحداث التي تشهدها البلاد أصبح أمراً يصعب أن يحصل عليه المواطن في المناطق الآمنة إلا بعد وقت طويل في صفوف الانتظار، فقد أصبحت قطعة خبز صغيرة حلم كل مواطن يقطن في المناطق التي تنهكها الحرب والدمار.
أسمع أن آثار بلادي تباع بأبخس الأسعار أو تحرق،بعد أن أصبح كل شيء من تحف وصور وتماثيل أمراً (معارضاً للدين)! فربما الذي صدر لنا الإرهاب لم يكن لبلاده تاريخ ولا يريد لأحد من البلدان أن يكون لها تاريخ. نساء يرثين أبناءهن، والجميع يريد لنا السلام، الجميع يريد لنا الحرية والديمقراطية، فمن أجل ذلك يدافعون عن الشعب السوري، من أجل حريته فقط تقطع الرؤوس، بعد أن كانت أقل الحريات والأشياء التي يتمتع بها أي مواطن أصبحت شيئاً بعيد المنال في المناطق التي تشهد توتراً دائماً، فكل شيء محرم دينياً ومكروه عقائدياً، يحللون لهم ويحرمون لغيرهم، لم يكن في يوم من الأيام هذا المعنى للحرية والديمقراطية والعدالة والمساوة، ولكن قد أصبحت في نظرهم هكذا، لأنهم لم يتعلموا يوماً ما تعنيه تلك الكلمات، هم فقط تعلموا ما تعنيه كلمة دمار وخراب وإرهاب وسرقة وتهجير واغتصاب.
هذا هو الربيع الذي صدّر للدول التي أخذت العدوى، والتي ما زالت تعاني منه ومن الإرهاب الذي يسكنه، ومن الدمار الذي خلّفه وراءه، وهذا هو الربيع الذي حمل لنا أشواكاً قاتلة بدلاً من أزهار وورود جميلة.