تأملات

صباحاً في طريق الذهاب:

الشارع الممتد من سوق عاصم إلى كراج السرافيس تتناهبه الأقدام، متعجلة في ذهابها وإيابها، حركة غير اعتيادية كل يوم صباحاً وعند الظهيرة وقبل الهجوع إلى البيوت مساء، دوي الانفجارات يسمع قوياً، لكن حركة الناس اعتيادية منذ اعتاد حي نهر عيشة استقبال الفارين من ويلات الاشتباكات اليومية في الأحياء القريبة. البرد قارص في شباط صباحاً. وحركة الناس لا تهدأ على الرغم من الغيوم الداكنة الملبدة و تساقط رذاذ من المطر.

 بعد الحاجز مباشرة تكدس عدد قليل من أسطوانات الغاز، لفتت انتباهي ملامح البائع من بعيد، هُيِّئ لي أنني أعرفه. اقتربت أكثر، تسمرت في مكاني وجحظت عناي، إنه هو أبو فاروق بابتسامته اللطيفة المرتسمة على شفتيه دائماً، وعلائم الطيبة والهدوء التي ما رأيتها تفارق محياه أبداً. أبو فاروق صاحب محل الألبسة الكبير في حيّنا في الحجر الأسود، المحل الذي يتمتع بشهرة كبيرة بين الناس لقربه من سوق الخضار الكبير، أبو فاروق الذي يكاد محله  لا يخلو من الزبن، صيفاً كان أم شتاء، يبيع أسطوانات الغاز على ناصية في نهر عيشة. اقتربت منه تعانقنا همهم بشيء من الخجل: (لا يوجد عمل وأنت تعرف ماذا حدث، نريد أن نعيش). أومأت برأسي إيجاباً وربّتُ على كتفه بعد أن جاهدت في حبس دمعة كادت تشق جفني وتجرح خدّي. تابعت سيري قاصداً اتحاد الكتاب في المزّة.

 النشاط يدبُّ في كراج نهر عيشة، رغم الأحداث العاصفة التي يمر بها الوطن، ازدحام غير طبيعي، شباب، صبايا، رجال، نساء، شيوخ، عجائز، توتر يكتنف الوجوه، تدافش وتلاسن وشتائم كل يحاول أن يقصي الآخر ويسبقه للركوب في السرفيس، استوقفني المشهد وأنا الطارئ على هذا الحي، تمتمت: (ما زال البلد بخير).

وقفت جانباً وأشعلت لفافة، استرعى انتباهي تدفق الشاحنات الصغيرة على الشارع المقابل للكراج من جهتيه الشرقية، والغربية الجنوبية، وقد امتلأت تماماً بكل أنواع الخضار والفاكهة، غلمان وشباب وكهول يفرّغون محتوياتها على بسطات أو على الرصيف. تساءلت بيني وبين نفسي: هل أصبح هنا سوق خضار ؟ همهمت: (مازال البلد بخير).

في طريق العودة ظهراً:

عند عودتي بعد الظهر مازال الكراج مزدحماً وأصوات باعة الخضار تصل إلى مداها الأقصى وهي تنادي على بضاعتهم، استرعى انتباهي صوت جهوري لشاب كان يقف أمام شاحنة بثلاثة دواليب تقف بمحاذاة الرصيف تماماً ينادي على الجزر الذي ضجت به شاحنته. يممت صوبه كي ابتاع كيلو، وقد اعتدت عليه بعد نصيحة الصحاب بأنه يقوي النظر، وأنا الذي منذ سنوات لا أستطيع أن أقرأ جملة من كتاب أو صحيفة دون نظارة للقراءة. حدّقت به مشدوهاً عندما وقفت أمامه، صرخت: (محمد) ابتسم وهزّ رأسه والأسى يكسو ملامح وجهه.

محمد الذي يدير أقدم وأشهر محل جزارة على الإطلاق في حيّنا، يبيع الجزر على (طرطيرة). كل من في الحجر الأسود يعرف محل (اللّحام عدنان) الذي افتتحه منذ العام ،1975 كان ينتهي من بيع اللحوم التي عنده قبل الواحدة ظهراً مهما كانت كثيرة، زبنه من أقدم سكان الحجر، وقد توارثوا شراء اللحمة من محله تناوباً. أغلب زبنه كانوا يوصون على مايريدون قبل يوم أو يومين، عرفت محمداً منذ عمل في هذا المحل، لم أسمع صوته إلا نادراً. فعندما كنت أطرح السلام عليه كان يرد بما يشبه الهمس. همس باستحياء: (لا يوجد عمل وأنت تعرف ما حدث، نريد أن نعيش). 

 

زيارة طارئة

ليلاً عندما كنت أشاهد التلفاز، هتف لي أحد الجيران وأعلمني أن باب بيتي مفتوح على مصراعيه.

هجست يبدو أن اللصوص استباحوه. لا أعرف كيف نمت ليلتي، وما إن طلع النهار حتّى توجهت من فوري إلى اليرموك قاصداً بيتي في الحجر الأسود. بعد الانتظار على الحاجز ساعتين أو أكثر استطعت الدخول، ومن فوري توجهت إلى بيتي مجتازاً شارع اليرموك ثم مشحم عامر. هالني دمار البيوت، ما إن وطئت قدماي الشارع الرئيسي المؤدي إلى بيتي.

على الرصيف تحت بيتي تماماً ثمة رجل بدأ الشيب يغزو رأسه، ما إن رآني حتى صرخ، كان صديقي (أبو يزن) عجلت الخطا، صافحته سألته عن بيتي بلهفة، طمأنني أنه لم يُسرق شيء من بيتي، وأن أغلب بيوت الحارة قد فتحت أبوابها إثر انفجار شديد حدث أول أمس. بعد أن تنفست الصعداء انتبهت إلى أنه كان يقف خلف بسطة وضع عليها عدّة علب من السجائر وعلى كرسي بجانبها عدّة ربطات من الخبز، وعلى يساره تماماً يقبع محل بيع مواد البناء الذي يمتلكه. حدّق بي بأسى حدّقت به تمتم بشيء لم أفهمه أبدأ، تمتمت: (لا يوجد عمل، أعرف ما حدث وما يحدث، يجب أن نعيش).

العدد 1140 - 22/01/2025