اليوتوبيا السورية
(حلم أحد الحكماء أنه فراشة ملونة تطير في المروج وتتنقل من زهرة لأخرى، وعندما استيقظ لم يعد يعلم هل هو إنسان كان يحلم أنه فراشة أم أنه فراشة تحلم الآن أنها إنسان)!
بهذه القصة القصيرة جداً والمعبرة تضعنا الحكمة الصينية أمام مشكلة يعانيها كثير من الناس، بدرجات متفاوتة، وهي مشكلة عالم الأحلام الذي يلجأ إليه الكثيرون هرباً من الواقع المؤلم. وهذه اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة يبنيها المواطنون في مخيلتهم وفقاً لعدة اعتبارات تتعلق بمستواهم المعيشي والفكري وبانتماءاتهم المختلفة.
فقدان الصلة بالواقع هو أحد أشكال غياب الأمان النفسي لدى المواطنين، خاصة في الدول النامية التي تعيش واقعاً متخلفاً لا يبشر بمستقبل زاهر إلا في مخيلة أبنائه. وكلما ازداد الواقع رداءة ازداد هروب الناس إلى عالم الأحلام الذي يصبح هو عالمهم. أما الواقع فلا يعدو كونه كابوساً عابراً، وبين التخيل والاصطدام بالواقع يمضي المواطن أيامه المتعثرة.
ربما يمكن القول إن لكل إنسان يوتوبياه الخاصة التي قد تختلف قوانينها ومبادئها عن مثيلاتها لدى غيره من المواطنين، بالنسبة للإنسان البسيط المحدود الدخل هي دولة تحقق له الاكتفاء المادي بما يعادل المجهود الذي يبذله ولا تضعه في الدرك الأسفل للمجتمع، وهي بالنسبة للفنانين المكان الذي يعطيهم مساحة كافية لتقديم ما تجود به قريحتهم من أعمال وإبداعات ولكل شريحة أخرى من المجتمع متطلباتها وطموحاتها. أما المثقفون فهم لا يبنون يوتوبياهم الخاصة على أساس شخصي، بل يملكون منظوراً أوسع يشمل جميع المواطنين ويضمن لهم حقوقهم ويؤمّن لهم حياة كريمة ومستقبلاً افضل ، لكن لا بد من مصالحة مع الواقع تعيد كل إنسان إلى موقعه ودوره في المجتمع دون أن تمنعه من التفكير بوطن أكثر عدالة وتقدماً شريطة أن يكون هذا التفكير قابلاً للتطبيق وبخطوات محددة وأن يكون منطلقه هو الواقع وقابليته للتطور.
للأحزاب في أي دولة دور مهم في توجيه مخيلة المواطنين نحو يوتوبيا واضحة وضعت أساساتها بناء على مبادئ ومنطلقات نظرية تؤمن بها تلك الأحزاب، وهي التي تحدد المراحل التي يجب أن يمر بها المجتمع والتغييرات التي يجب أن تطول الحياة السياسية والاجتماعية للوصول إلى الدولة المنشودة، أي أنها توجه أبصار المواطنين صوب مدينتهم الفاضلة دون أن تقطع صلتهم بالواقع. لذلك يجب أن توضع الأهداف المرحلية على قدم المساواة مع الهدف الأسمى الذي تسعى إليه هذه الأحزاب. فعلى سبيل المثال لا يكفي أن يدعو الحزب لبناء دولة علمانية في مجتمع غير علماني إلا إذا وضع خطوات محددة قابلة للتطبيق تساعد على علمنة المجتمع، وإلا فإنه يساعد على زيادة قطيعة الناس مع واقعهم المعيش.
إضافة إلى ما سبق يعدّ الجمال البصري أحد أشكال التواصل مع الواقع، وهو وإن كان غير كاف بحد ذاته إلا أنه يلعب دوراً مهماً في تحبيب الواقع إلى الأشخاص وغيابه يؤدي إلى تعميق أزمة القطيعة مع الحاضر. فعندما ترى العين شوارع معبدة بأسلوب حضاري وحدائق وأشجاراً تملأ الأرصفة وأنهاراً تنساب بمجاري صحية ونظيفة، وأبنية مبنية بأسلوب معماري جميل، وتنظف بشكل دوري، فإن هذه العين لا تميل إلى ترك الواقع، كما تفعل عندما ترى ما يؤذي البصر حيثما تلفتت. وهنا يمكن تذكر كيف هلل أهل دمشق لتغيير حاويات القمامة القديمة في مدينتهم واستبدال أخرى بها أنظف وأجمل وأكثر قابلية للتنظيف، وهو مثال يجسد رغم تفاهته ميل المواطنين إلى رؤية الجمال البصري فيما حولهم.
اختصرت الأزمة السورية في بعض مراحلها اليوتوبيا المنشودة إلى دولة توفر الأمان لمواطنيها، وتبعد عنهم شبح الموت الذي بات يحصد بسيفه الكثيرين. لكن على المثقفين والأحزاب والمؤسسات الحكومية أن تدفع نحو يوتوبيا أكثر تقدماً واستقراراً وعدالة، ومن ثم تحول أحلام الحاضر، إلى صيغة أكثر تصالحاً مع الواقع توجه المواطنين نحو الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل.