الأبالسة في جنتنا
منذ سنين طويلة ونحن نستصرخ سائحي العالم: (يا ناس… يا هو… تعالوا إلى سورية، إنها جنة الله على الأرض…سترون روعة آثارنا وسحر طبيعتنا وكرم ضيافتنا…) لكن رغم ذلك لم تبلغ صرختنا آذانهم، بل إن بعض العابرين منهم باتجاه مصر أو تركيا كانوا بالكاد يقضون ليلتهم هنا، ربما بسبب كثرة البق والنق. والآن، بدون دعاية ولا مهرجانات بدأت الجموع تتدفق علينا من كبير وصغير ومسلح بالسرير، لأنهم صدقوا قصة الجنة الأرضية فهرعوا لنجدة ملائكتها المقصوصة الأجنحة وللبحث عن حورياتها الموعودات! فرأينا التونسي يحمل بقجته ويأتي برفقة زميله الليبي الذي تربى بعز الأخ القذافي وما فكر بمغادرة بلاده سابقاً، والفرنسي الناعم تأبط شر الصومالي الجائع ليشرِّفوا جنتنا، حتى البلجيكي الذي يعيش (عيشة البط) أتعب نفسه من أجل خاطرنا،بل حتى المعاقون زحفوا ووصلوا، فقد سمعت منذ أسابيع كثيراً من التطبيل والتزمير على شرف من سموه (أمير الشيشان)، ولأن لقب أمير يثير فضول بنات جنسي فقد بحثت عنه في النت لأعاين صوره، ففوجئت بأن الرجل مخلوق همشري مقطوع الساق والذراع، فتساءلت: (إذا كان سيدخل المعركة بهذا الشكل، فكيف سيخرج منها؟ هل سيكون عبارة عن رأس وجذع مثلاً!).
والآن وقد باتت أمة محمد وأمم كل الأنبياء في ديارنا، ألا يحق لنا أن ندهش من هذه الفورة السياحية ومحفزاتها؟ وكيف صرنا قبلة لكل هؤلاء المهابيل؟ بالنسبة لمهابيل الداخل، أظن أن مشكلتهم في أنهم أسرفوا في مشاهدة المسلسلات التركية والمواقع الإباحية، وعندما صحوا على واقعهم نظروا فلم يجدوا (لميس) لتحبهم، ولا حلموا بأن يروا في حياتهم قصراً كقصور إسطنبول، فطار حلمهم من الأرض نحو السماء. أما مهابيل الخارج فظنوا أنهم سيأتون ليعثروا تحت كل حجرة على حورية يحملونها إلى خيامهم، وبالنسبة لأصحاب الأذواق الصعبة فأمامهم حوريات الجنة، ولا يكلفهم الوصول إليها سوى كبسة زر، ويا له من زر!
إذن فالمشكلة محلولة بالنسبة للجهاديين بفضل الشيوخ (السبور)، لكن تبقى مشكلة (الجهاديات) فأي رجاء سينتظرن مادام لا يوجد نص ديني صريح يتحدث عن (حوري) أو (حوراني)، لكن لا تخافوا فلكل مشكلة حل عند (فقاسة الفتاوى)، وقد فقس أحد أولاد الحلال فتوى (جهاد النكاح). أي خيال شيطاني يجرؤ على هذا التفكير! في البداية ظنناها مزحة أو أمر منحط سيستنكره المجتمع المحافظ، لكن ها قد بدأت أولى طلائع المجاهدات تعبر حدودنا للقيام بمهماتهن المقدسة في ترفيه المجاهدين المحرومين، وكل واحدة منهن متحمسة لاعتقادها أنها الأميرة التي مثلتها (صوفي مارسو) في فيلم (قلب شجاع)، وستجد شبيه المتمرد (وليم والاس) وتبادله الغرام في خيمة الحرب… أما المطلعة منهن فهي تتوقع أن تعثر على (اللورد بايرون) في معرة النعمان! ولا يمكن أن يخطر ببالهن أنهن سيجدن أنفسهن وحيدات بين قطاع طرق وجزارين لا يفرقون بين المرأة والبقرة، ولا يعرفون الاستحمام إلا في العيدين.
قبل النهاية أقول أنه في بداية مطالعاتنا، عندما كنا نقرأ عن الجنس المقدس في بابل وغيرها، كنا ندهش ونستنكر علاقة الدين بالعهر، أما الآن فيبدو أن لا شيء سيثير دهشتنا بعد الذي رأيناه في السنتين الأخيرتين.
أما في النهاية فأشير إلى مصير المساكين أهل الجنة الحقيقيين، فهم قد أصبحوا مضطرين لمغادرة جنتهم، هرباً من (عرسان الجهاد) الذين سيطالبون ب (نقطة الفرح) كما أتصور!