أنفاق في الجبال
لا يمكن لأحد أبداً أن يسجن الغيوم في الأقفاص، أو يمنع عطر الورود من الانتشار مع الريح، أو يحجب البرق بأصابعه، ويطلب من العاصفة أن لا تهب.
هكذا هو الإبداع الحقيقي.
روح عظيمة تسكن أجساداً ذات هامات عالية، وقلاعاً حجارتها المعاني العميقة، وأبراجها الكلمات البليغة.
إن الإبداع وجع وألم ومخاض مستمر، لا يتوقف إلا ليبدأ من جديد، ولا يسكن إلاّ ليهب، ولا يرتفع عالياً إلا بعد أن تكون جذوره قد امتدت عميقاً، ولا ينطفئ إلا ليستعد ويتحضّر للاشتعال مرة أخرى من تحت الرماد.
وقد يكون التوقف عن الإبداع في مرحلة معينة من مراحل المبدع، ليس إلا إبداعاً من نوع آخر، فالبذرة لا تصبح شجرة إذا لم يخمّرها التراب وتسقيها أمطار السماء، وليست البحار والعواصف في اضطراب وهبوب دائم، وقد ترتاح الرعود والبروق لا لتصمت وتهدأ، بل لتعود مع فيضان الأنهار وثلوج الجبال.
إن قامة المبدع الحقيقي كبيرة، ومترامية الأطراف، إذا دعت من خلال ما تُبدع إلى العدالة والحرية والمساواة ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف. وتصبح قليلة الشأن، قزمة وضئيلة إذا لم ترَ فيما تكتب أو ترسم.. إلا الباطل والنفاق والدجل والتضليل.
وليس هنالك أسهل من أن يحلم الإنسان، ولا يوجد أصعب من تحقيق ما يحلم به.
إنما المبدع باستطاعته أن يحلم ويوحي بالحلم ويحقق ما يحلم به ويصبو إليه، وذلك بالصبر والمثابرة والعمل الدائم. لكن للصبر أنواعاً وحدوداً، فصبر البهائم على وجع النير وضرب العصا، غير صبر المبدعين التائقين إلى الانعتاق إلى الفضاء، ونحو القمم العالية.
وفرق كبير بين من ينظر إلى النجوم، ومن ينظر إلى الطين والوحول.
ودائماً كان الشرف بالأدب لا بالنسب، وبالفعل الطيب لا بكثرة الحكي والثرثرة الفارغة، وبالشجاعة في الميدان لا بالبطولة من وراء البحار البعيدة.
إن الإبداع الحقيقي قد يكون أيضاً في الصمت والسكوت، فالنحلة تجني الكثير من الرحيق الطيب وتعطي العسل النافع، ولم نسمع أنها تكلمت في يوم من الأيام، أو وقفت خلف المنابر لتعطي دروساً في جمع الرحيق والاستيقاظ باكراً.
إن الإبداع الحقيقي العظيم، هو تلك القدرة القادرة على حفر وتنزيل الكلمات والرسوم والأغاني والألحان في مكانها الصحيح وزمانها المناسب.. ولعل أعظم إبداع هو ذاك الذي كان قد خدم في يوم ما عصراً من العصور، وها هو يأتي اليوم ليخدم عصرنا وزماننا وكأنه كتب عنا بالأمس القريب.
إنه ذاك الذي (يوحي بالطريق ولا يدل عليه، ويرمز إلى الأسماء ولايسميها). ويبرق بين الغيوم دون أن يشعل ما تحته من قمح وزيتون، ينير ولا يحرق، يضيء لا يصدر عنه أية رائحة أو دخان.
(إن العمل الجاد يحرك الجبال، والإبداع العظيم يشقّ فيها الأنفاق، وليس المبدع العبقري مَن يحقق الكمال، بل مَن يفتح آفاقاً جديدة أمام الآخرين..).