فردوس الخراب
ولما كان قدر الدهر أن تكون منطقتنا فردوس الوجود، وأن تحمل قداسة اسمها على مر الزمان، وقيمة جلال تاريخها عبر نضالاتها المتعاقبة على امتداد حقب الحياة، ولسمتها المفردة باعتبارها مهدَ الأنبياء والشعراء والشهداء، وكينونة هذا الفلك، حيث تمثل نبضه الحي فكراً، وقيماً، وجمالاً، وحضارة، واستثناءً لا بديل عنه بمسماه، وفحواه، ودلالات استثنائه الممهورة بالدم، والقداسة، والنبوّات المتعاقبة، وصفوة الفكر الإنساني برموزه المتتابعة عبر الأجيال، وتلك الإمكانات الهائلة من الطاقات، والإبداعات، وفرادة النسيج الخلاّق لهذه الكينونة بمجملها المتوهج بالروعة، والفتنة، والبهاء الفريد! هذا كله استدعى أن يكون فردوس العرب والعروبة، محط أنظار أهل الأمصار والأقطار حسداً وطمعاً بجودة وفتنة محتوى هذا المستنبت البهي دون أركان المعمورة الرّحب، الشاسعة بلا انتهاء، أو ولهاً صوفياً لمن يريد الغوص والتوغل في الخفي من الغيبيات الفاتنة، أو عشقاً لتلك الجماليات الخارقة على مستوى الطبيعة، والآثاريات الخالدة، والطقوس الحافلة بغرائب ما أبدعت يد الدهر لا مقيل، ولا شبيه لها فوق بساط الكون جميعه! لذا فقد تعرض هذا الفردوس عبر تاريخه الطويل لويلات الخطوب والأحداث والحروب الدامية بما جعله أيضاً المستثنى المفرد: كفاحاً ونضالاً ومقاومة ليس كمثله شيء في ذلك على امتداد رقعة الوجود جميعها. فإذا بتراب هذا الفردوس العظيم: حفنة من الدم، وحفنة من المجد، وحفنة من الخلود استأثرها الله به، واستأثره بها دول كينونة الوجود الشاسعة!
إيغالاً في جنون الطمع، وشهوة امتلاك هذا الفردوس بقوة السلاح، وعناد الغاصبين بالوصول إلى تلك الشهوة الآثمة، فإنهم عبر الحقب المتعاقبة سخَّروا إمكاناتهم كافة لاغتصاب حق الآخرين في الحياة، والحرية، والكرامة. لكن قيمة الأرض هي من قيمة العرض، وقيمة التراب الوطني من قيمة شيم الرجال فوق ذلك التراب، وقيمة الحرية بقدر ما بذل المناضلون، والشهداء دماً وتضحية في سبيل تلك المقدسات الخالدة!
كل قطرة دم كانت شرفاَ ومجداً أو انتماء حقيقياً للأرض، وأصحاب الأرض، وأجيال الحياة فوق ترابها الوطني العظيم الممهور، كما ذكرنا، بالدم والنبوَّات، والشهداء، كان ذلك أيام قارعنا الاستعمار والطغاة، والغزاة والمارقين. كان التراب بين بسمة، ودمعة يضج زهواً بالدم والرجال، والشاهدات التي تشمخ للسماء شاهقة بروعة الأسماء التي تفخر بها على أنها مجد وتاريخ وكبر هذه الأرض العظيمة! والآن!؟ دم في غير ساحاته المرصودة له، وتراب يغص بأحزانه المفجعة، وعيون شاحبة مأخوذة بالمشاهد التي تفوق ما يتصوره الخيال، وصوت مكسور يرجعه الصدى الحزين:
… الغضب الساطع.. غادرنا،
وأجراسُ العودة.. لن تُقرعْ،
و(عائدون) مؤجلة حتى إشعار آخر.
والخيام التي كانت تتقدم كل يوم خطوة باتجاه فلسطين والجولان غيّرت وجهتها إلى المنافي البعيدة التي نأت بنا عن ألفية ثالثة ألقتنا خارجها لنتفرغ لما نحن فيه، والعالم يتجاوزنا إلى حيث الفضاء الكوني بانتظار فاتحيه، ونحن بانتظار لحظة وعي تعيدنا إلى سكة السلامة عبر دمعة وابتسامة وحوار وطنيٍّ رائع، ولا يهون العيش على أولاد الحلال؟!
ولو خطر لنا خاطر أن الفردوس الذي وُهبناه لنعمره قد أضحى على أيدينا، على ما نحن فيه، واحة من الخراب، والدم، والأسى، والمكابدة على الجراح والعتاب، فذلك لن يكون أبداً، ذاك وهم عابر ويمضي، فثمة شجرة تزهر، ونهر يصخب بالغناء، وعصفور يوقظنا شدوه في الصباح، وطفولة تنشد وهي تتأبط الوطن في وجدانها، وحقائبها المدرسية في رواحها وذهابها إلى المستقبل الواعد الجميل، وبسمة/ دمعة تعتب لتلمّ شعث شتاتنا الحزين، ونحن مقتنعون للعظم بذلك. تلك أشياء تضعنا على حافة أن الخير في هذه الأمة باق فيها للأبد، وأن ظروفاً عابرة هي عابرة فعلاً، وأن الوعي الغائب لحين عائد بقوة اليقين الذي نعيشه أملاً بالمسوغات التاريخية والحضارية والقيمية لأمة تكبو حيناً من الدهر، ثم تنهض أكثر عزماً، ومضاءً، وإرادة، وقوة، لأن هذا هو المنطلق الحقيقي للمشترك الإنساني والقيمي لنا وبنا عبر حقب الزمان المتعاقبة.