العرض المسرحي «تكرار».. إسقاطات إنثروبولوجية

 في دول الغرب هناك مقارباتٌ تخصّ الاتجاهات العلمية والنظريات والاتجاهات الاجتماعية والفلسفية للكثير من الأعمال الفنية، وهذا ما نفتقر إليه ربما ليس لعيب  في مَن يسلط الضوء على العمل الفني، بل لعيبٍ في العمل الفني العربي ذاته، فهو اتباعي فيما يخص الاتجاهات الفلسفية والاجتماعية أكثر منه رائداً في مواكبتها. ولا ينتقص من العمل الفني كونه يستند إلى موروث عالمي إن أُسقط على الواقع الراهن كما هو حال العرض المسرحي بعنوان (تكرار) الذي اختتمت عروضه في المعهد العالي للفنون مطلع شهر آب على خشبة مسرح سعد الله ونوس، كمشروع تخرج طلاب السنة الرابعة. وكان مدخل العرض مونولوغاً ألقته الممثلة فرح دبيات عن تشابه البشر وعدميتهم في كلّ الأزمنة:

(فلا جديد تحت الشمس)، والبشر هم البشر، إذ إن ثمة (جرائم نرتكبها ولا يعاقب عليها القانون)، جرائم تفتك بالروح والمعنى، وهي أشد انتهاكاً لإنسانيتنا من جنايات معروفة كالقتل والسرقة والاغتصاب.

قسم العرض إلى ثلاثة أقسام حكمتها تبعيتها الزمنية، فقد بدأ في القرن السابع عشر في عصر الباروك زمن النبلاء المزيفين.. ثم زمن طبقة الباشاوات ورجال ونساء الصالونات الأدبية مطلع القرن العشرين في سورية، وصولاً إلى الزمن الراهن للبلاد. وكان للقسم الثاني أثر رجعي في قراءة ما سبقهُ وهذا يحتسب إيجاباً للعرض. وأظهر البعد النفسي لتلك الشخصيات والفئات المهووسة بالتباهي والاستعراض والادعاء والتي ينصب اهتمامها على زخرف الحياة و(اكسسواراتها)، وبيَّنَ أن لا فرق بينهم (فهم هم) في كل الأزمنة: كائنات متلافة استهلاكية سطحية تُقدر الشيء أكثر من المعنى وتتمتع بحصانة الذات الإنسانية وحقوقها مع كل أسف.. وهي أشبه بدمى بلهاء مبتذلة في كل شيء.

وأشار العرض إلى إبداع تلك الطبقات في استغلال قضايا البسطاء والفقراء بغية تحقيق الشهرة عبر فنون مزعومة دخيلة على مجتمعنا مثل (الراب)، وكيف أن الأمر بدأ لدى النساء، ثم انتقل مع مضي الزمن ليشمل الرجال أيضاً فجسد العرض نقداً اجتماعياً بليغاً. وكرَّسَ لفكرة أن الإنسان عندما يصبح عاشقاً للمظاهر تستيقظ غرائزهُ ويغدو تزيينه لجسده وترفيهه لحواسه سدّاً يحول بينه وبين الجمال الحقيقي وكل ما هو طبيعي وعفوي. فجاء العرض ملهاةً معاصرة تؤكد فيه سلوكيات شخصيات الإناث ما قاله الروائي ألفونس كار (تنظر المرأة إلى الرجل الذي تحبه نظرها إلى حليتها التي تلبسها وتعتز بها وتدلُّ بمكانها على أترابها ونظائرها.. وترى في إعجاب المعجبين به وافتتان المفتتنات بحسنه وجماله اعترافاً منهم بحسن حظها، وسطوع نجمها، واكتمال أسباب سعادتها وهنائها، وهذا كل ما يعنيها من شؤون حياتها).

وحمل العرض أفكاراً عديدة مثل (وراء كلّ وصوليّ عاهرة)! لكن أهم طرح للعرض هي مسألة (الزمان والذات الإنسانية) الزمان غير موجود.. وهو يوجد عندما يوجد عاقل يقوم بعملية حساب للحركة في نطاقات المكان..

العرض وبرغم كونه مشروع تخرج لم يتضمن صراعاً داخلياً (ضمن العوالم النفسية للشخصية الواحدة)، ولعل ذلك حرم الطلاب من فرصة إبداء مهاراتهم في هذا المنحى الذي يعتبر مركز اهتمام في الفن الحديث. لعل خصوصية العمل أنه يتحدث عن فئة ليس لديها عوالم عميقة داخلية لتتصل بها، فهي كائنات سطحية بالكامل لأنها تعيش لأجل ما هو خارجها من أشياء ثمينة ومزخرفة. ولعله عارض ما قاله كوستاس إكسيلوس ( إن مانسميه مستقبلاً لايزال مستمراً وإنه أكثر سعة من التاريخ).

لن أتحدث عن الفنيات المتقنة في العرض وسأكتفي بالحديث عن الديكور والسينوغرافيا اللذين كانا إبداعاً متكاملاً نجح في استحضار الأجواء القديمة والمعاصرة المراد إحياؤها على الخشبة، وقد تضمن الديكور قسمين: ديكوراً ثابتاً متقناً، وفي الزاوية اليسرى ديكوراً متحركاً ساهم في إحياء فضاء الخشبة، إضافة إلى استثمار الظلال والظلام والإنارة الخافتة لإعطاء انطباع بامتداد القصر والبيت الدمشقي إلى مساحة تتعدى تلك التي نراها.. كما تضمن الديكور دقة في التفاصيل إلى درجة تجسيد الرطوبة على جدران البيت الدمشقي عبر الإضاءة بطريقة متقنة. وليس من السهل جعل الجمهور يشاهد شخصياتٍ لأناس سطحيين مبتذلين مُكررين لما يزيد عن الساعة من الزمن، لولا أن الأداء الفني والتمثيلي في العرض جاء بسويّة عالية جداً. فقد تألق كلٌّ من الممثلين: سهير صالح، لمى بدور، مروى الأطرش وبلال مارتيني الذي صحّح خطأ في الديكور أربك الحركة وكاد يتسبب بتعثر الممثلين.. صحّحه بشكل انسيابي وذكي دون أن يضيف أو ينقص من الحركة المرسومة له على الخشبة.

بطاقة العمل

إشراف: بسام كوسا

مخرج مساعد: علي سطوف

مساعد مخرج: منصور نصر

دراما تورج: شادي كيوان

أزياء: مارال دير أركيليان

موسيقا: رعد خلف

تمثيل : أديب رزوق،

بلال مارتيني،

سهير صالح،

سيرينا المحمد،

لمى بدور،

مجدي المقبل،

مروى الأطرش،

مروان خلوف،

معن حمزة.

العدد 1140 - 22/01/2025