«الربيع العربي»: التباس المصطلح بين مصالح الأقوياء وحقوق الشعوب

(إن مئة دولة من هيئة الأمم المتحدة لم تتفق معنا عملياً حول النقاط المتعلقة بتدخلنا في جزيرة غرينادا عام ،1983 إلا أن ذلك لم يعكر علي تناول فطوري).

رونالد ريغان – الرئيس الأمريكي الأسبق

 

تتباين معاني المفردات والعبارات ودلالاتها، ويتباعد الفارق بين معناها اللغوي وتوظيفها الاصطلاحي، ويستدعي الأمر انتباهاً ويقظة حتى نميز أبعاد توظيف المفردة أو العبارة، وما يرمي إليه مستخدموها من أغراض.

والربيع  عربياً أو غير عربي  يعني لغة التجدد والجمال والنماء، ويشير إلى دورة الحياة وتقدمها إلى الأمام، وإلى شباب الطبيعة، وتقول العرب: ربيع العمر: مقتبله وشبابه.

وتطلق كلمة الربيع اصطلاحاً على الحراك الاجتماعي والتنموي والاقتصادي، فيقال ربيع الدولة أو المؤسسة أو الثقافة في مراحل التطور والازدهار.

ولا أدري ما إذا سميت الثورة الفرنسية عام 1789 ربيعاً، وهي التي شكلت منعطفاً هاماً من الإقطاعية المنحلة إلى النظام الجمهوري الذي قدر المواطنة والمساواة والإخاء والحرية، وكانت ربيع أوربا كلها، وهيأت عصور الأنوار والنهضة لها المقدمات الضرورية للانتقال إلى مرحلة جديدة أكثر عدالة وتنظيماً وإنتاجية وقوة. وإن مرت في السنوات اللاحقة بتعرجات كثيرة أطاحت بأهدافها، وأعادت فرنسا إلى لغة الحروب والاستقواء، فقد أذل نابليون إيطاليا، وجرَّد عام 1798 حملة عسكرية لاحتلال مصر وسورية.

وأظن أن كلمة ربيع استخدمت بمعناها الاصطلاحي أول مرة عام ،1871 حين انتصرت كومونة باريس للعمال والمثقفين، وأسقطت الحكومة الملكية، واستخدم فيها عنف ومتاريس، وحشدت الملكيات الأوربية المذعورة جيوشاً لمواجهة تجربة (الاشتراكية الشعبية الوليدة)، وتمكنت من القضاء عليها قبل أن يصلب عودها.

وقد أطلق المسرحي الفرنسي ذو الأصل الروسي أوتور آدامون اسم (ربيع 71) على مسرحية عن الكومونة.

ووضع بريخت مسرحية حولها سماها (أيام الكومونة). وقدر كارل ماركس شجاعة الذين أنجزوا الكومونة، لكنه انتقدها لأنها لم تأخذ بحسبانها الظروف غير المواتية، ولأنها أضرت بعنفها الحركة العمالية.

ثم راجت كلمة (ربيع) لتشير إلى الانتفاضة الشعبية والشبابية: (ربيع باريس)، (وربيع براغ) (وربيع برشلونة)، وتفنن الإعلام في تزيينها، ولكنه لم ينظر إلى ثورات الشعوب ضد المستعمر، أو ضد الأنظمة الاستبدادية والتابعة على أنها ربيع، وظل يوظف اللفظة للحديث عن التحولات الاجتماعية والسياسية المتجاوبة مع مصالح الدول الغربية المهيمنة، لأن العالم محكوم في العديد من مناطقه بمنطق هيمنة الأقوياء ومجمعاتهم الصناعية والعسكرية الكبرى.

وأرى أن ربيع الطبيعة محكوم بقوانين تبرز شكله وملامحه، فهو في منطقة أو قارة يمثل الإزهار والخصب والبهجة، وفي أماكن أخرى يكون فصل الجليد أو الفيضانات. أما ربيع المجتمعات فهو يعني نهضة مكونات الشعب الحية الصاعدة (من عمال وفلاحين ومثقفين وطلاب ومنتجين منظمين) وحراكها السلمي الذي يجتذب الجيش لمساندته، كي يتحقق الانتقال إلى بناء دولة القانون التعددية المدنية، التي توفر حق التعبير وتكافؤ الفرص.

وفي مقالة لينين الهامة (بصدد الكاريكاتير عن الماركسية) قال: المهم أن ندرس سياسة ما قبل الحرب، التي أدت إلى الحرب: فإذا كانت السياسة إمبريالية تدافع عن مصالح الرأسمال المالي، وتنهب وتضطهد، فالحرب الناجمة عنها حرب إمبريالية، وإذا كانت السياسة وطنية تحررية، تعرب عن حركة جماهيرية (وحاجاتها وحقوقها) فإن الحرب التي تنجم عنها وطنية تحررية. (المؤلفات، المجلد 30 ص 77  130).

أما الربيع الذي تنتجه وصفات خارجية (أو انقلابات عسكرية ممولة من الخارج) أو تصنعه دوائر استخبارات تصمم نظريات لتفكيك الدول النامية أو المتطورة من أجل الهيمنة والتزعم، (مثل نظرية كونداليزا رايس (الفوضى الخلاقة)، ونظرية هيلاري كلينتون (القوة الذكية)، ونظرية جون كيري (الضربات المحدودة، والضربات من الخارج) (تحت الحزام) والتدخل من بعيد، فهي تنتج ربيعاً دموياً وحروباً طويلة منهكة، تفكك وحدة الدولة، كبيرة كانت أم صغيرة (مثال الاتحاد السوفييتي السابق ويوغوسلافيا، ومثال الصومال والسودان والعراق وليبيا) حالياً واضح للعيان).

إن ثورات القرن العشرين الكبرى/ بدءاً من ثورات المستعمرات والدول الواقعة تحت الانتداب أو الوصاية ضد متقاسمي المناطق والثروات في قارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لم ينظر إليها على أنها ربيع الشعوب (ثورة أكتوبر في روسيا القيصرية عام ،1917 والثورة المصرية ،1919 والثورة السورية الكبرى، والثورة الصينية). وانتفاضات الشعوب من أجل الاستقلال والثورة الكوبية، وكفاح جنوب إفريقيا الأسطوري ضد التمييز العنصري، والثورة البوليفارية الفنزويلية والثورة الإيرانية، لم ينظر إليها على أنها ربيع، بل عوملت على أنها خروج على قيم (العالم الحر)، وتمرد على (الدول المانحة السيدة الوصية… إلخ). وتهديد للاستقرار الإقليمي والأمن الدولي، مع أن هذه الثورات كلها حققت مكاسب لشعوبها، انتزعتها من براثن التنين الإمبريالي، فجوبهت بعقوبات جائرة من كل نوع، وصولاً إلى حصار وتجويع، ومحاولات متواصلة لزعزعة استقرارها وتغيير أنظمتها بالقوة دون مراعاة لأبسط مبادئ القانون الدولي الذي أرسته الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وتجاوز الأمر كل ذلك في القرن الحادي والعشرين (القرن الذي عده بوش الابن قرناً أمريكياً، يدشن زعامة أمريكا للعالم) فوصل إلى حد تغيير أنظمة عديدة بالقوة والتدخل العسكري المباشر، استناداً إلى حجج وذرائع غير مدققة (وأدلة استخبارية لا يركن لصحتها)، ودون أي تفويض جماعي حقيقي من مجلس الأمن: (العراق، ليبيا، الصومال، أفغانستان)، والمحاولات المستميتة لفعل ذلك في العقد الأخير ضد إيران وكوريا الديمقراطية وسورية..) باعتبارها دولاً (مارقة) بحسب تعبير الإدارة الأمريكية واستخباراتها السيئة الصيت!

وأعتقد أن التغيرات الاجتماعية التي تنجز نتيجة مقدماتها الملائمة: الحاجة الشعبية الواسعة للتغيير، والرغبة الجدية في توسيع المشاركة السياسية، ونضج الاصطفافات الاجتماعية والنقابية والسياسية، واستقلالها عن أي مؤثر خارجي (هناك نقابات صفراء موالية لخطط واشنطن ومعادية لمصالح شغيلة بلدانها في دول عديدة)، ووجود أوضاع دولية وإقليمية مواتية، لا تشترك في إعاقة هذه التغيرات، أو منع وصولها إلى أهدافها بالتهديد والتدخل وعجز القيادة السابقة عن الاحتفاظ بثقة المؤسسات الوطنية الرئيسة (الجيش، النقابات، الصناعيون الوطنيون، الأحزاب ذات الرصيد الشعبي الواسع وقوى اليسار). فمتى يستعيد العرب ربيعهم، وقدرتهم على إحداث التغيير المستقل عن كل تدخل خارجي؟

وقد كانت للعرب فصول ربيع عديدة في القرن العشرين، حين انتزعوا الاستقلال، وحين ساندوا ثورة الجزائر، وساندوا مصر ضد العدوان الثلاثي عام ،56 وحين خاضوا مجتمعين حرب تشرين لمساندة جيشَيْ مصر وسورية، وحين شكلوا جبهة صمود في وجه المشروع الصهيوني، وحين توصلوا إلى حد أدنى من التضامن العربي القائم على ثوابت عدم التطبيع مع إسرائيل، ووضع أسس سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط، واحترام المواثيق الدولية، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن كلها دون انتقائية أو ازدواجية، وحين ساندوا المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد اعتداءات آلة الحرب الإسرائيلية الهمجية.

وكانت للعرب انتفاضات وهبَّات وحراكات شعبية ترفع شعارات ومطالب مشروعة، وأيقظت المشاريع العدوانية وأشكال التدخل في العقد الأخير ومستويات التبعية للخارج غير المسبوقة في عدد من الدول العربية (احتلال العراق، العدوان الإسرائيلي على لبنان وعلى قطاع غزة، التنسيق بين نظامَيْ مبارك وزين العابدين والنظام الأردني وإسرائيل والغرب  ارتهان الخليج لخطط الغرب) نجاح التحركين الشعبيين في تونس ومصر في إطاحة زعامتي البلدين، أيقظت هذه كلها عزيمة الشعوب العربية، وأحدثت حراكات ملائمة (في ظروف محلية وإقليمية ودولية غير مواتية)، أنتجت (ما يسمى ربيعاً دموياً، واستنزافاً للقدرات المحدودة لدول بددت النخب الحاكمة فيها الثروة في مواضع لا تخدم شعوبها، أو في شبكات فساد يصعب تفكيكها، ومهدت الطريق لشبكات تكفير ومافيات تهريب ومضاربة لا تتورع عن لعب أي دور يؤذي الوطن، وبضمن ذلك تفكيكه وتغيير هويته، وتدميره من الداخل في صراعات دموية لا تنتهي حتى تبدأ من جديد (السودان  الصومال  ليبيا  العراق  اليمن..).

والسؤال الذي يتردد كثيراً في سورية الآن هو: متى تنتهي الأزمة السورية؟ ومتى يتوقع أن يجيء ربيع سورية أو دمشق الحقيقي؟ وهل سيتوج صبر الشعب السوري ومساندته لجيشه الصامد بانتقال حقيقي إلى حوار فاعل ودولة تعددية مدنية، واستقرار لا تعكره مجموعات تكفيرية أو تدخلات خارجية إقليمية أو دولية؟

ليست لدي إجابة مطمئنة، ولكنني أستطيع طمأنة من وقع تحت وطأة التعقيد والقلق، أن زوال مقدمات الأزمة، ووقف الأعمال والانتهاكات للقانون الدولي، والعودة إلى احترام سيادة الدول وحقها الطبيعي في اختيار أشكال تطورها وشكل أنظمتها، كفيل ببدء الانتقال إلى الطريق التي تخرجنا من نفق الأزمة. وأعتقد أن المتغيرات الأخيرة محلياً (مكاسب الجيش ميدانياً، وصمود الشعب وتفهمه لتعقيدات الأوضاع في المنطقة) وتغير المزاج الشعبي عربياً وإقليمياً، والتحولات الداخلية في مزاج المؤسسات التمثيلية في الدول الغربية المؤثرة على القرارات الدولية، والتفاهمات الروسية الصينية وتفاهمات بريكس وإيران، ودول إلبا في أمريكا اللاتينية. ستنعكس إيجابياً على الأزمة السورية، بل على الملفات التي تشابكت مع الملف السوري (العراق، ولبنان، وفلسطين ومصر، وإيران، وأفغانستان).

وأعتقد أن السوريين قادرون بتكاتفهم وبوحدة جيشهم وصموده، وبتفعيل الحوار بين مكوناتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، والاستفادة من خبرات كوادرهم المتعددة الاختصاصات في الوطن والمهجر، وبمواصلتهم الجمع بين الدبلوماسية المتوازنة والضربات الحازمة للإرهاب وحواضنه، أن يصنعوا ربيعهم البهي، وأن يسهموا في وضع ربيع عربي يعيد إلى المنطقة حيويتها واستقرارها!

والشيوعيون وحلفاؤهم وأصدقاؤهم يواصلون جهودهم في هذا الاتجاه، خدمة لوطنهم ووحدته وسيادته.

العدد 1140 - 22/01/2025