صباح الخير يا قصير..!
صاح الديك في ذاكرتي، وثقب فرحه رأسي، وغناؤه حمل بكفيه الندى.. صياح الديك لم أسمعه منذ سنوات طويلة ينشد هكذا وبهذا التوهج… لم أسمعه يغني للصباح الجميل!
صاح الديك في الخامس من حزيران فأيقظ القلوب من نومها. ونثر نبضاتها في أرض الوطن الجريح.. نبتت وروداً وأزاهير فرح.. تبرعمت وأثمرت عناقيد حُبّ وقناديل أمل.
غنّى الديك نشيد الوطن، بينما كان الجنود البواسل يرفعون الأعلام فوق الأبنية والمؤسسات الحكومية في جهات القصير الأربع!
في هذا الصباح وأنا أقرأ (الخبر العاجل) على شاشة الفضائية السورية ب (التحرير الكامل لمدينة القصير)، غابت من ذاكرتي الذكرى ال 46 للنكسة وللأيام الستة السوداء عام ال 67! خبر عاجل بحروف حمراء سجّلها أبطال جيشنا الباسل بدماء الشهداء.
كنت قد زرت القصير منذ سنوات مرات عدة، وقرأت في المركز الثقافي قصصاً قصيرة.. وكانت الزيارة قصيرة جداً أيضاً، ولم أعرف أكثر من الشارع الرئيسي، وتلبية دعوة الصديق الأديب عبود كاسوحة وزيارته قبل البدء بالأمسية القصصية بساعة واحدة.
اليوم وفي هذا الصباح الحزيراني الجديد، تابعتُ الكاميرا وهي تتنقل في أحياء المدينة المحررة من رجس الإرهابيين.. رأيتُ الأبنية المنهارة وحطام البيوت والسواتر الترابية والواجهات المحطَّمة وجثث الإرهابيين المحروقة، فثارت في روحي الحرائق واشرأب لهبها في أعماقي، لكن دماء الشهداء البواسل أخمدتها وحولت جثث القتلة النافقة إلى رماد!
الآن.. وأنا أتابع بشوق وحب الكاميرا، كأني أعرف المدينة منذ عقود وأعيش مع أهلها الطيبين. والجيش العربي السوري شرَّع نوافذها في الجهات الأربع، فتسللت النسائم دون خوف من المسلحين، لتغسل القلوب وتجفف أحزان الثكالى، وتعيد الأمل إلى أهلها المهجَّرين في أنحاء الوطن. ويرسم جيشنا المنتصر على الظلاميين خريطة جديدة، بأقلام محبَّرة بالدماء والصبر والمعاناة.
الخامس من حزيران محطة جديدة من التحوّل السياسي والعسكري. وستكشف الوثائق التي تركها القتلة من شيشان وعرب وأوربيين وأتراك، من أربعين جنسية، أيدي المجرمين الخليجيين والأتراك والإسرائيليين والأمريكان والفرنسيين والبريطانيين وغيرهم، الملوثة بدماء السوريين والجرائم التي ارتكبوها بحق شعبنا السوري على مدى عامين.
وعادت الابتسامات المهاجرة دون تأشيرات على جوازات السفر إلى أمكنتها، رغم بقايا الأحزان والآلام التي احتلت مساحات رويت بالدموع، أنبتت الفرح والأمل وردمت خنادق الأعداء، وبددت أحلامهم في إقامة إماراتهم، ومزقت راياتهم السود وشعاراتهم.
في هذا الصباح تنوّعت أقوال الإعلام المعادي، والتصريحات الهستيرية للناطقين بألسنة كالمبارد، والمحللين السياسيين الذين يستخدمون مصطلحات غير مهذبة وشتائم. وانهالت الأكاذيب من كل حدب وصوب وارتفعت حرارة النداءات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، من الجرحى والمصابين من المسلحين.
غنّت الديكة مبكّرة في هذا الصباح.. خرجت من أقنانها تصفق بأجنحتها وتهلل فرحاً.. تمسح وجوهها بندى الصيف وتنادي: تعالوا إلى مدينتكم أيها النازحون والمهجّرون، فدماء الشهداء الأبطال ستعيد الحياة والجمال إلى القصير.. !
مسافة زمنية تقدّر ب 46 سنة بين نكسة حزيران ،67 والانتصار على الإرهابيين في .2013. وتضحيات كبيرة.. ودماء وشهداء.. ويتامى وثكالى وحزانى… وتحية لهؤلاء جميعاً..!