البرازيل: عودة الفقراء

كان المجتمع في البرازيل ولا يزال مجتمعاً طبقياً، يميز فيه الأغنياء أنفسهم، ويحصلون على مناصب سياسية لا يستحقونها، كما لا يحاسبون على فسادهم، بل إن كل شيء ينتهي برقصة (السامبا)، كما يقول المثل البرازيلي.

لقد كانت الانتفاضة الأخيرة في البرازيل رداً على هذه الثقافة المريضة التي فاجأت الحاكمين مثل برق في الصيف. ولكن الطبقة الحاكمة (كما في كثير من بلدان العالم) لم تتفهم ذلك، بل حاولت الالتفاف على الانتفاضة باستعمال العنف ضدها. وحاولت الرئيسة ديلما روسيف التفاوض مع قادة الانتفاضة، وأمرت رؤساء البلديات بإلغاء الزيادة على تعرفة النقل. وأحدثت الانتفاضة توتراً شديداً في كل أنحاء البلاد، وهزت السمعة الاقتصادية للبرازيل، التي كانت من أوائل البلدان الصاعدة. لقد انخفضت نسبة النمو الاقتصادي إلى تسعة في المئة في السنة الماضية. كما أن التوقعات لا تعطي الاقتصاد البرازيلي إلا نسبة 5,2 بالمئة للسنة الحالية.

هل انتهت سنوات الازدهار الاقتصادي بنهاية فترة الرئيس لولا؟ لقد حاولت الرئيسة الحالية تحفيز الاستهلاك، وذلك بخفض نسبة الفائدة المصرفية، من دون نجاح يذكر. وبقيت أعداد كبيرة من البرازيليين عاجزة عن دفع ديونها. وأدى خفض الفائدة إلى صعود التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات. وقد رُفعت نسبة الفائدة من بعد إلى مستوياتها السابقة ولم تؤد إلى خفض التضخم. كما أن انخفاض قيمة العملة البرازيلية (الريال) أدى إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة.

يثير ارتفاع الأسعار الذكريات المؤلمة عن الأحوال الاقتصادية التي سادت في العقود السابقة التي تميزت بالتضخم المفرط. إن بناء العاصمة برازيليا والمشاريع الكبرى التي نفذت في عهد الديكتاتوريات العسكرية، خلفت ديوناً هائلة، كان على الأنظمة الديموقراطية التي تلتها أن تتعامل معها. وفي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي انفجرت الأسعار وبلغت خمسة أضعاف ما كانت عليه، مما أجبر المصرف المركزي على تغيير العملة. وفي عام 1994 استطاع وزير المالية آنذاك فرناندو هنريك كاردوسو تثبيت سعر العملة باستعمال برنامج مالي مركب يشمل إجراءات التوفير وطرقاً مبتكرة في المالية العامة. وفي عام 2002 عندما فاز القائد العمالي لولا برئاسة الجمهورية، خاف المستثمرون منه، وأعلنوا عن نيتهم تحويل أموالهم إلى الخارج، بسبب البرنامج الاشتراكي المفترض له. ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث. وفي ذلك الوقت ارتفعت أسعار المواد الأولية والسلع الغذائية عالمياً ما أفاد الاقتصاد البرازيلي. كما انهالت الاستثمارات الأجنبية على البلد. وأصبحت العملة البرازيلية قوية جداً. وفي الوقت نفسه أيضاً نفذت الحكومة برنامجاً اجتماعياً لمساعدة الفقراء، ما أدى إلى صعود عشرين مليون برازيلي إلى مستوى الطبقة الوسطى.

يأمل الخبراء الاقتصاديون في البرازيل من الرئيسة ديلما روسيف توسيع رأسمالية الدولة التي تتبعها، وتنفيذ مشاريع كبرى اقتصادية، ومكافحة الفساد الذي تمارسه بيروقراطية الدولة، وإصلاح البنية التحتية وخاصة الطرق. وبمناسبة الانتخابات الرئاسية في العام القادم، تعود الدولة مجدداً إلى تطبيق برنامج مساعدة الفقراء.

 

  نقلاً عن (السفير)

العدد 1188 - 25/02/2026