عاجل إلى جدّتي..!
هل تعرفون جدّتي التي توفيت منذ ربع قرن تقريباً؟!. من المؤكد أن أجوبتكم ستقتصر على عبارات الترحّم عليها، إذ عاشت مقتنعة بما كتبه الله لها من قسمة ونصيب. جدّتي التي بقيت سنوات عديدة تصارع رياح الفقر والعوز والحاجة بعد أن تركها جدّي وراح يتلذّد بحياته الدنيا ضارباً عرض القرية بسمعته ومكانته وحياة الآخرة التي وُعِد الإنسان فيها بأنهار من لبن وخمر وعسل وما إلى ذلك.
لن أتحدّث كثيراً عن جدي فمن الممكن أن يحدث لنا، نحن معاشر الرجال، ما حدث له. ولكن سأتحدث عن علاقتي بجدّتي على الرغم من أن ما بقي لها في ذاكرتي يقتصر على بقايا صورة مهترئة عثرت عليها قبيل أيام قليلة كانت وراء كتابتي هذه.
جدتي التي أحدثكم عنها لم تكن عرّافة ولا بصّارة ولم تكن تتقن القراءة والكتابة وكل ما كانت تجيده هو الخبز على التنّور، وجمع الحطب والبلاّن، وصناعة الجل من روث البقر مؤونة لمدفأة الشتاء. جدتي رحمها الله كانت توصي والدي بأن ينهرني ويضربني لأنني سأكون في المستقبل عنيداً لا يعجبني العجب ولا الصيام في رجب.
والدي، الذي كان باراً بأمه، لم يكن يخالفها أبداً، فكان يصفعني أحياناً لمجرّد أن جدّتي توقعت له بأنني سأعذبه عندما أكبر، على الرغم من أنها لم تسمع بأحد من المنجمين أمثال ميشيل حايك ومايك فغالي وليلى عبد اللطيف ونجلاء قباني.
أذكر أن والدي أجبرني ذات يوم على تعبئة الجرّة من نبع الماء، كي أعتاد على تنفيذ طلباته والرضوخ لأوامره، ولأن هذا العمل كان من اختصاص أختي التي تكبرني بعدة سنوات. فقد حملت الجرّة مرغماً إلى نبع الماء، وقبل أن أصل إلى النبع رميتُ كلبة جيراننا بحجر فركضت خلفي، وهنا جاءت اللحظة المناسبة كي أتخلص من الجرّة فرميتها بوجه الكلبة وهربت.
صفعات والدي التي تدخلت والدتي لإيقافها مازلت أذكرها حتى اليوم، وأذكر أن خلافاً وشتائم نشبت بين جارنا وبين والدي.. المهم في كل هذا هو تنبؤ جدتي بأنني سأكون عنيداً لا يعجبني العجب ولا الصيام في رجب.
كنت أقول بأن الناس يصومون رمضان، فلماذا تصرّ جدتي على أن أصوم رجب؟!. ولماذا تربط عنادي بصوم رجب؟!. لم أمتلك الجرأة كي أسأل والدي عن السبب. (لاحظوا أن السجع في المقطع السابق قد جاء بالمصادفة).
اليوم، وبعد مرور ربع قرن على رحيل جدتي إلى الدار الآخرة، سأزف لها الخبر العاجل وأنا واثق من أنها في مرقدها تعيش حياة أفضل منّا.. فعالم القبور والمقابر عالم آخر يحترم فيه الجار جاره ولا يتدخل في حفرته أبداً، على عكس أبناء عمومتنا من العربان الذين ما فتئوا يتدخلون بكل شاردة وواردة من شأنها إيقاع المزيد من القتلى والجرحى والخسائر الفادحة على جميع الأصعدة.. عالم الأموات عالمٌ مختلف عن عالم الأحياء.. عالم صامت لا ثرثرة فيه ولا جدال.
جدتي التي تفرد عظامها على مساحة القبر تنام هانئة هذه الأيام، بعيدة عن الأخبار وما يدور على سطح هذه الكرة الأرضية من صراعات وخلافات وانشقاقات وتدمير وتكفير وحرق واغتصاب.. جدتي التي لا تحتاج إلى البلاّن والحطب وروث الحيوانات تمر عليها الفصول متشابهة، لا تحتاج إلى كازيات ولا أسطوانات غاز ولا بنزين.. جدتي التي لا تنتظر زيادة الراتب الهزيلة ولا تتعامل مع تجار لصوص يقتلونك بلقمة العيش تصوم الشهور كلها.. جدتي التي لم تسمع يوماً بجبهة النصرة ولا بجبهة العهرة ولا بالجيش الحر وعصابات رياض الأسعد، باتت تخاف من كشف عري عظامها ونبشها من قبرها.. جدتي التي كان همّها تأمين قوتها اليومي تنام في قبرها وهي تحلم بعودة جدي الذي يجاورها في حفرة أخرى دون أن تعلم.
جدتي.. وأنا أعيش في الألفية الثالثة.. هأنذا أخبركِ بأن توقعاتك لوالدي عني لم تكن في محلها، بل كانت كتوقعات الأبراج التي نسمعها كل صباح من إذاعة صوت الشباب..أنا لست عنيداً أبداً ياجدّتي، ويعجبني أقل من العجب والصوم في رجب.. نعم لا تستغربي ياجدتي.. نعم أصبحنا نصوم رجب ورمضان وشوال ومحرم وربيع الأول وجمادى الآخرة.. نصوم جميعاً أنا وأفراد أسرتي وجيراني وجيران جيراني وما بعد بعد بعد بعد جيراني.. كلنا نصوم هذه الأيام، لا طمعاً في ثواب، ولا خوفاً من عقاب.. نصوم لأننا لم نعد نجد مايكفي لنتناول ثلاث وجبات في اليوم.. نصوم عن الفروج وعن اللحمة والسمك.. نصوم عن الكرز والتفاح والخوخ والدراق والموز.. نصوم عن الدفء وعن التنزّه في جبالنا وغاباتنا، بعد أن عجزنا عن حمل ما تحتاجه تلك الزيارات.. نصوم عن المشروبات الروحية وغير الروحية بأنواعها.. نصوم عن الأمان والاطمئنان.. اطمئني يا جدتي لقد بات الصوم من أشهر عاداتنا ومن أهمّ واجباتنا اليومية..!