أواديس

جاء في إحدى الإضبارات المحفوظة في أرشيف إحدى الجهات الأمنية مايلي: يدّعي أواديس حنا خاشكليان، أنه غير منتسب لأي حزب أو تنظيم سياسي، على الرغم من أنه تربى في كنف أبٍ يساري. وما دفاعه عن المضطهدين والمهمشين إلا لأنه واحد منهم، يسرّه ما يسرّهم ويضرّه ما يضرهم.

ولقد عرف عن أواديس انتقاداته المتكررة للنظام، وطول لسانه وثرثراته على السلطة والقيادة. لكننا لا نرى الآن، أن من المصلحة الوطنية استدعاءه وتأديبه، لأن ذلك سيزيد الطين بلة. يعني سيزيد ثقة الناس به واحترامهم له.

***

نشر أحد الصحفيين في جريدة (الجماهير) الحلبية، مقالة جاء فيها: لقد أبكانا (أواديس خاشكليان) أثناء رده على سؤال مذيعة التلفزيون له، عندما قال: هددوني بذبح ابنتي الوحيدة وإلحاقها بأخيها، فأجبتهم بأن أولادي ليسوا أفضل من أولاد الآخرين، ولا أغلى من الوطن السوري الذي يغتالونه مع كل اغتيال لأحد أبنائه!

***

كتب أواديس في دفتر مذكراته:

يحسدونك على خبز تغمسه بقليل زيت وملح ورضاً يجلل وجهك ومائدتك، وهم الذين لا تشكو وجوههم ولا موائدهم إلا من تخمة تسطّح سِحَنَهم وتعسر هضمهم.

يستكثرون عليك أصدقاء، يبادلونك الإخاء والوفاء، وامرأة تساقيك سلاف الروح وبوح الجسد، وهم الذين يشترون بخالص بطرهم وفاسد مالهم، ما هب ودب من مخصيي الرجال ورخيص النساء.

يثير حسدهم ويؤجج غيرتهم، رحابة منزلك الصغير واتساع رقعة أطيان فؤادك، من براري وسهول وجبال ووديان وأنهار وزهر وورد وشجر وحجر وشروق وغروب ودروب، مدموغة ببصمة توقك ومطوبة باسم محبيك، وهم من يكنزون ما يكنزون من أبيض وأصفر وأخضر، ويملكون ما يملكون من مبان ومدائن ومباذخ، مسجلة باسم مفردات جشعهم وأفراد أسرهم!

***

بعدما عثروا على أواديس مقتولاً في أحد بساتين حلب، وممثَّلاً بجثته، على طريقة من يدْعون أنفسهم (جبهة النصرة)، أقاموا له عزاءً، ألقيت فيه كلمات عدة، جاء في كلمة أصدقاء الشهيد:

قبيل استشهاد الفقيد بأيام، قال لي في واحد من لقاءاتنا الأخيرة، إنه بكى في حياته ثلاث مرات:

 مرة، عندما حكت له أمه، كيف قتل الأتراك جده مع من قتلوا في مذبحة الأرمن الشهيرة.

 ومرة، عندما بلَّغوه استشهاد والده تحت التعذيب في عهد (الوحدة).

 ومرة، حين تلقى خبر اختطاف الإرهابيين لابنه!

العدد 1140 - 22/01/2025