مدارس.. مونة.. مازوت.. الأسعار كاوية… والمواطن يحترق!

ما إن يطل شهر أيلول حتى يزداد الضغط المادي على الأسرة لتزامن قدومه مع افتتاح المدارس وإعداد مونة الشتاء التي لا تقف عند المكدوس والزيتون والمربيات والزيت الذي حلّق سعره عالياً من 2500 ليرة إلى 13000 ل.س للصفيحة الواحدة، وصولاً إلى وقود التدفئة الذي بات يحتاج إلى ميزانية خاصة في ظل تعثر الجهات المعنية بطريقة إيصاله لمستحقيه، فكيف سيتدبّر المواطن أمره في ظل هذه الأزمة التي بلغ الغلاء فيها حداً مرعباً بالرغم من انخفاض الأسعار بشكل طفيف، إذ بات تأمين مستلزمات المدرسة وحدها لأسرة مكونة من أربعة أولاد في مرحلة الدراسة الثانوية يتطلب ما يقارب 40 ألف ليرة سورية!

البعض يعيد سبب الانخفاض الطفيف في الأسعار إلى سعي معظم المستثمرين السوريين لعرض البضائع والحاجيات في طرطوس، وإغراق الأسواق بها، وهذا يؤدي إلى تنافس حقيقي، طبعاً هذا الإغراق ناتج عن ان طرطوس هي الأكثر أمناً وأماناً. في حين أشار آخرون إلى أن استقرار سعر الصرف ضمن حدود 160- 170 ل.س هو السبب في استقرار السوق وتدنّي الأسعار بشكل ملحوظ بالرغم من خروج بعض المعامل المنتجة لهذه السلع من الخدمة، لكن هذا لم يكن له الأثر الواضح في اختلال التوازن بين العرض والطلب والتأثير حكماً في ارتفاع أسعار هذه المنتجات التي تباينت بين محل وآخر في المنطقة ذاتها :

السيد فهد وسوف (عامل في مكتبة العثمان بالدريكيش) يرى أن الأسعار بشكل عام لا تتناسب بأي شكل مع الحالة المزرية للمواطن، وتنعكس سلباً على حركة البيع والشراء، كما لوحظ زيادة تحكم بعض حيتان السوق بالتسعيرة نتيجة نقص الاستيراد، وحصر ذلك في الأماكن الآمنة، وخروج أسواق جملة رئيسية من حركة البيع كأسواق دمشق وحلب بسبب حالة الطرق الأمنية، إضافة إلى الغلاء الفاحش لأجور النقل والتسبب في تحميل القرطاسية واللوازم تكاليف إضافية تزيد من ثمنها أصلاً. المواطن يطلب اقل كمية ممكنة من المواد – يضيف السيد فهد وسوف – بسبب سوء الحالة المعيشية، وكمثال على الأسعار لدينا دفاتر 80 ورقة شريط بسعر150 ليرة، والحقائب تبدأ من 700 حتى 3000 ليرة، والأقلام مختلفة المصادر وتتدرّج من 50 ليرة للقلم الواحد حتى 30 ليرة وأقلام الرصاص من 13 ليرة حتى 35 ليرة منها ماهو أصلي ومنها ما هو تقليد، والمواطن هو من يدفع الثمن على جميع الأصعدة، علماً بأن غلاء هذه المنتجات لم يؤثر فقط على المستهلكين وإنما على الباعة أيضاً بينما ينعم التجار الكبار بالربح الوفير !

صاحب محل ألبسة في سوق شعبي بطرطوس يبيع الألبسة المدرسية فقط يرى أن الأسعار مناسب،ة وقد انخفضت هذا العام عن العام الماضي، وهذا يعود لوجود معروض كاف بعد إغراق السوق بالمنتجات، علماً بأن المعروض حالياً يفوق من حيث الجودة المعروض العام الفائت، لكن التاجر لا يمكن أن يبيعه بأسعار العام الفائت بسبب وجود المنافسة القوية هذا العام مع الاشارة لوجود مبالغات سعرية يقوم بها بعض تجار الأزمات على حساب المستهلك المتضرر الأول من هذا الواقع ولاسيما أن بعض العائلات تضم أكثر من ثلاثة طلاب بين أفرادها.

أسعار متذبذبة

رصدنا خلال جولتنا في محافظة طرطوس واقع اسعار القرطاسية والمستلزمات المدرسية، ولاحظنا أن أسعار هذه المنتجات من الصداري والبدلات والقرطاسية قد شهدت انخفاضاً ملحوظاً، فمثلاً بلغ سعر الصدرية بين 1000- 1500 ليرة والبدلة، للمرحلتين الإعدادية والثانوية بين 3000- 5500 ليرة، وسعر قلم الناشف العادي 40-50 ليرة، والقلم الرصاص العادي 30- 35  ليرة، والقلم الرصاص الكبس بحدود  175 ليرة، بينما بلغ سعر الدفتر العادي المؤلف من ( 70 صفحة) 85 ليرة، والدفتر السلك (70 صفحة) بين 95-110 ليرة، في حين سجلت أسعار الأحذية البناتية والصبيانية من قياس كبير بين 1500- 3000 ليرة، والأحذية الولادية بين 900-2000 ليرة، بينما بلغ سعر الحقيبة المدرسية الكبيرة بين 1200-2000 ليرة والقياس الصغير بين 600-1000 ليرة.

الفرق طفيف

السيد أحمد (من صافيتا صاحب مكتبة) تحدث عن انخفاض الأسعار هذا العام عن العام الماضي بشكل طفيف: بالنسبة  للأقلام توجد تشكيلة واسعة ضمن الصنف الواحد، فمثلاً أقلام ليكسي تتراوح أسعارها بين 30-40 ليرة وأقلام الرصاص نوع HB تتراوح أسعارها بين 14-30 ليرة، طبعاً حسب النوع والدفاتر متعددة المصادر منها ما هو سوري المنشأ ومنها مصري المنشأ، وعلمنا أن تجاراً سوريين هم أصحاب المصانع في مصر وتتراوح أسعارها بين 70 ليرة و90 ليرة للدفتر 80 ورقة، أما سعر ماعون الورق فقد انخفض إلى حدود 600-700  ليرة بعد أن وصل إلى 900 ليرة، في حين تم طرح تشكيلة واسعة من الحقائب تتراوح أسعارها بين 600 ليرة و2200 ليرة، أما البدلات المدرسية فهناك أكثر من نوع ضمن الصنف الواحد، سواء أكان جينز أم كتّان والأسعار تتراوح بين 2600 و4000 ليرة.

أعذار واهية

المواطن محمد يوسف (موظف) تحدث بلهجة فيها الكثير من العتب على المسؤولين، وتساءل عن السبب الحقيقي في كل ما يحدث، فمن غير المعقول أن تدبّ الفوضى في كل شيء.. المواطن لم يعد يحتمل والفروق في الأسعار تختلف من محل إلى محل، فأين عناصر التموين وحماية المستهلك؟ ولماذا لا يتم تشكيل لجان شعبية لمراقبة الأسعار وإبلاغ الجهات التموينية عن المحلات التي لا تلتزم بالتسعيرة؟!. البعض مازال يقول بأن الدولار وراء كل ذلك بالرغم من انخفاضه، إنها أعذار واهية وغير مقنعة، والمواطن بات يدرك جيداً بأن هناك طابوراً خامساً كما يقولون يتحكم بالسوق وبالأسعار، والجهات الرقابية إما عاجزة عنه وإما شريكة معه، ولولا ذلك لكان الواقع أفضل ولو بقليل. نحن ندرك أننا نتعرّض لأبشع حرب في تاريخنا، لكن الدولة مازالت قائمة ويبدو أن تلكؤ البعض عن القيام بواجبهم سمح للطفيليات البشعة باستغلال الأزمة ومراكمة ثرواتهم.

ما باليد حيلة

السيد حاتم  (موظف) يقول: تضم أسرتي ثلاثة طلاب في مراحل دراسية مختلفة يحتاج تأمين القرطاسية والأحذية لهم فقط أكثر من خمسة عشر ألف ليرة، بينما تطلبت تغطية النواقص من الألبسة والحقائب عشرة آلاف ليرة تقريباً، علماً بأن شراءها كاملةً كان سيستلزم ضعفي هذا الرقم، مع الإشارة إلى أن أولادي لم يألفوا هذا الوضع مسبقاً لكنهم تقبلوه بعد أن فرض الواقع كلمته على حياتنا وما باليد حيلة لتغييره.

وأكدت رزان سلمان (عاملة في محل خاص) لجوءها منذ نهاية العام الدراسي الفائت إلى شراء بعض المستلزمات المدرسية وتوفير بعض النقود لتأمين حاجات أبنائها لكن المبلغ المدخر التهمه الغلاء..!

وتؤكد أم إبراهيم (ربة منزل) أن غلاء مستلزمات المدرسة يزيد من هموم الأسرة المعيشية في ظل تآكل قيمة الدخل الشهري لكن هذا الواقع لا يعني أبداً التفريط بمستقبل أبنائي – تضيف – وعدم إكمال تعليمهم. توافقها الرأي سميرة (معلمة) فتقول: إن ما يهمني في الدرجة الأولى هو حصول أولادي على التعليم المناسب ولاسيما أن الأسرة مضطرة للتأقلم ومحاولة التكيف مع الظرف القائم ما دام ما باليد حيلة للتقليل من آثاره مع الأخذ بالحسبان أن موجة الغلاء حالة طارئة مرهونة بانتهاء الأزمة التي تركت تداعيات سلبية كبيرة على المجتمع في مختلف المجالات وليس على القطاع التربوي فقط.

قرار وزاري.. ولكن

الأستاذ علي إبراهيم (مدرَس) تحدّث عن تذبذب مستلزمات العملية التدريسية بالقول: الأسعار متذبذبة هذا العام بين محل وآخر بالرغم من الانخفاض الطفيف عليها، وأنا أب لأربعة أولاد في المدرسة وكمدرّس، ففي الحقيقة أحتاج إلى أكثر من ثمانية آلاف ليرة ثمن دفاتر وأحتاج إلى 15 ألف ليرة ثمناً للبدلات، فضلاً عن ثمن الأحذية وألبسة الرياضة وغيرها، وهي بحدود 15 ألف ليرة. الوزارة أصدرت العام الماضي تعليمات بعدم التدقيق في مجال اللباس المدرسي وهذا يحتاج إلى ضوابط وتعاون وقراءة بين المدرسة والأهل، علماً أنني كنت غير راضٍ عن التعاون بين المدرسة والأهل لاسيما وأن قرار كهذا سيترك تفاوتاً بين الطلاب، فاللباس الموحد يقضي على الفروق بين الطلاب ويساوي بينهم. إن طبّق ذلك القرار هذا العام فيجب إعطاء صلاحيات للجهاز الإداري في المدارس، وطبعاً مع الابتعاد عن الأهواء الشخصية لضبط حالات الفوضى والفلتان في اللباس، وعدم السماح بأن تكون المدرسة صدى للشارع وليس العكس. الحكومات السابقة كانت تعي أنها في الطريق إلى أزمة من خلال ممارساتها لكنها بقيت عاجزة عن فعل أي شيء، ونأمل من الحكومة الحالية ( التي حافظت على نفس الوجوه في كثير من الوزارات) أن تلتفت إلى المواطن قليلاً. واختتم الأستاذ علي حديثه بالقول: أتمنى أن ينقضي هذا العام الدراسي على خير وتكون سورية قد خرجت من أزمتها وانتصرت في هذه الحرب اللئيمة.

تدخّل يتمناه الجميع

في ظل هذا التذبذب في الأسعار والمنتج تحاول وزارة التجارة الداخلية التدخل عبر تفعيل مؤسساتها الاستهلاكية في المحافظة والمناطق التابعة لها، كما أكد لنا علي سليمان مدير فرع المؤسسة الاستهلاكية بطرطوس، فقد أوضح أن فرع طرطوس قام باستجرار مواد القرطاسية بناء على محضر شراء مقدم من قبل الإدارة العامة، وابتداء من الأحد القادم ستتوفر في المؤسسات تشكيلات واسعة ومختلفة من المستلزمات المدرسية وبأسعار منافسة جداً للسوق بنسبة حسم تتراوح بين 15- 25 بالمئة وهي نسبة واقعية، وتمنى سليمان أن يقبل المواطن على هذه المؤسسات التي وجدت من اجله بالأساس منعاً لاستغلاله من قبل بعض التجار ضعاف النفوس، موضحاً ان المؤسسة على استعداد لتلبية كل الطلبات، وقد اطلعنا الأستاذ علي على الأسعار فوجدنا أن هناك  بالفعل فرقاً بين أسعار المؤسسة وأسعار السوق، وهي بالمناسبة ليست على حساب النوعية وتتدرج أسعار الدفاتر على سبيل المثال بين 30 ليرة و 115 ليرة حسب عدد الأوراق والنوعية (عادي أو شريط) طبعاً ما سنوفره بصالاتنا يتضمن كل ما يحتاجه الطالب وخلال الأسبوع القادم ستصل تشكيلة واسعة من البدلات المدرسية وبأسعار منافسة ايضاً.. وعن ثقة الناس بالمؤسسة أوضح سليمان ان نسبة الإرباح تدل على عودة الثقة بالمؤسسة وبصالاتها من قبل المواطن من خلال ما تطرحه هذه الصالات من مواد بعد ان لاحظ الفرق الكبير في الأسعار بيننا وبين السوق.

العدد 1140 - 22/01/2025