الكاذب والكذّاب

الفرق بين المفردتين لا يقتصر على الإعراب فحسب، إذ الأولى اسم فاعل يعني القائم بفعل الكذب، والثانية صيغة مبالغة لاسم الفاعل تفيد تكرار الفعل والإيغال فيه، فالكذاب هو من تأصلت فيه صفة الكذب وأصبحت من عاداته الثابتة، هوية له يعرف بها، فيقال فلان الكذاب.

 أما الكاذب فهو من يرتكب الفعل في ظرف ربما يكون مضطراً إلى ارتكابه فيه.. كأن يكذب ليتفادى شرور سلطة طاغية فاجرة، أو من استجواب عسير أمام زوجة يقظة… إلخ.

في كل قرية، وفي كل حي، وكل تجمع بشري هناك أشخاص يحملون هذه الصفة، يكذبون لا من أجل منفعة أو نجاة من ورطة أو خداع أحد ما، يكذبون لأجل الكذب.

هؤلاء لا يخلون من الطرافة غالباً، والناس يحبون  مجالستهم والاستماع إلى أكاذيبهم، ويتناقلونها فيما بينهم.. وحتى بعد رحيلهم تصبح طرائفهم جزءاً من التراث الشفوي للقرية أو المدينة التي مارس فيها الكذاب (إبداعه).

في قرية صغيرة مرمية على أطراف البلاد كان أبو حنان يربي دجاجات وديكاً منفوش الريش، يختال أمام دجاجاته ودجاجات الجيران وجيران الجيران. يرهبها بوقع قدميه على أرض الدار الترابية. وينسج عنه صاحبه قصصاً وحكايات، منها أنه شاهده مرة يجر الثعلب، الذي دوخ القرية وأباد دجاجاتها، من رقبته إلى صحن الدار، ويقوقئ بصوت عال حتى خرج أبو حنان وأجهز على الثعلب.

كان أبو حنان شخصاً طبيعياً، يعمل في أرضه ويحدب على مواشيه، سوى أنه مساء عندما تعقد حلقات الشاي في بيت أحد الجيران  وهي لا تعقد من دونه طبعاً  كان يبدأ سيرة خدمته العسكرية التي خدمها بُعَيد الاستقلال لأشهر عدة.. لكن سيرتها تغطي عشرات الأعوام. 

في إحدى السهرات اعتدل في جلسته وتنحنح بعد رشفة طويلة من كأس الشاي الثقيل ثم قال:

كان عندي ملازم أول من حلب (طبعاً كان هو مجنداً) اسمه سالم، يتباهى بقدرته على التهديف بالبندقية وبالمسدس، استمعت إليه وشاهدته وهو يستعرض دقة تهديفه أمام الجنود، ثم في إحدى (سهرات العسكر) قلت له: ما رأيك سيادة الملازم أن نتبارى بالتهديف أنا وأنت غداً؟

وقف الملازم غاضباً وقال: أنت أبو حنان تتحداني؟! والله لأحلق هالشوارب إذا غلبتني بالتهديف. اختر السلاح الذي تريد والهدف الذي تريد وأنا أنتظرك غداً بعد الغداء.. وهكذا اجتمعنا نحن والملازم وضباط آخرين كانوا على ثقة من فوز زميلهم الذي يعرفون جيداً إمكاناته ودقته  يضيف أبو حنان.

قلتُ له: سنصوب بالمسدس.. والهدف علبة مرتديلا على بعد مئة متر.

النتيجة كانت تعادلنا في إصابة الهدف بكل التصويبات…أبعدنا الهدف إلى مئتي متر، وتكررت النتيجة. غيّرنا الهدف إلى علبة كبريت تكاد لا تستطيع أن تراها، وبقيت النتيجة تعادلاً إيجابياً، وبدأت أعصاب الملازم تتوتر.

أخيراً اتفقنا على وضع الإبرة على بعد نراها فيه، وبقينا متعادلين.. وكان لا بد من اقتراح أن نصوّب على الهدف وعيوننا (مطمشة)… هنا أيقن الملازم من خسارته، لكنه وافق على مضض. وكانت النتيجة فوزاً كاسحاً لي، إذ أصبت الهدف كاملاً وهو لم يصب أي تصويبة.. وبدأ الجنود يزغردون فرحاً بفوز زميلهم، فيما الضابط وزملاؤه تملكهم الذهول…لكني سامحته على تنفيذ الشرط وأخذت بدلاً عنه إجازة لمدة شهر إلى القرية.

في اليوم التالي كان بعض شباب القرية خارجين إلى الصيد ببنادقهم (الجفت)، وشاهدوا أبا حنان مع مجموعة من الرجال على أطراف القرية، وقال أخبثهم: تعالوا نتسلى قليلاً مع أبي حنان، وطلب منه أن يسدد بالبارودة عيار 12 على علبة سمنة أصيل فارغة من ذوات الخمسة كيلوات ويصيبها، انتخى أبو حنان، أمسك البارودة وأسند أخمصها إلى صدره ثم سدد.. انقلب على ظهره وخرجت الطلقة إلى السماء وضحك الحاضرون.

أما أبو حنان فقد قام وهو ينفض الغبار عن ثوبه قائلاً: والله الجفت عاطل يا بن ال… أنا الذي قهرت الملازم سالم يأتي بضعة (عجيان) ليضحكوا علي؟

لم يتراجع عن أي من كذباته يوماً، حتى لو جاء مئة شاهد يكذبون روايته.

أبو حنان عاش حتى شهد انطلاق الاحتجاجات الشعبية في سورية.. وحين شاهد المذيعة التي تتحدث عن خروج الناس فرحاً بالمطر اعترف لأول مرة بأنه محدود الخيال، وأن هناك من سبقه أشواطاً في المهنة.. وقرر في تلك اللحظة أن ينسحب من الحلبة ويترك الساحة لفرسانها… وهكذا انطوت سيرة كاذب ظريف وانفتحت سيرة كذابين ثقلاء لا عيب فيهم سوى أنهم.. لا يخجلون.

العدد 1188 - 25/02/2026