مدرسة سورية بامتياز… لعنة المبررات تلاحق اقتصادنا
يهرب المسؤولون الاقتصاديون إلى الأمام، ويستخدمون صيغة جديدة، لهروبهم المعلن، عبر بادئة (قريباً)، بدلاً من سوف وسين الاستقبال، اللتين تركتا أثراً سيئاً في نفوسنا، على مدى العقود الماضية. و(قريباً) التي يستخدمها المسؤولون، وأدخلوها إلى قاموس مفرداتهم، تبدو بلا أفق أيضاً، هيولى جديدة، مقيتة إلى حد الرعب، مملة، قاسية، وينضح منها التهرب عينه. ويعد عامل الزمن في الاقتصاد السوري، من أكثر القضايا تجاهلاً، لا مكان للزمن في اقتصادنا، الذي يسير وحده، بلا خطة، أو سكة، أو طريق، أو مسار. فهو يتقدم أو يتراجع مصادفة، يتخبط أو ينجو بعيداً عن المعطيات، تُقاس معدلاته بإرادة المسؤولين القائمين عليه، بعيداً عن المعادلات الاقتصادية المستندة لأرقام الواقع الفعلي. وتظهر أرقام هذا الاقتصاد ونسبها برغبة حكومية، ما يعني أن لَيَّ عنق الرقم أو المؤشر، ليس أكثر من حالة اعتيادية، أو هو وضع قائم من الصعب تبديله، مادام الرقم يقيل مسؤولاً، أو يسهم في تثبيته بمنصبه في معظم الأحايين.
إذ لم يتحدث مسؤول بشفافية عن حجم التهرب الضريبي، ولم يتطرق أحد المسؤولين إلى نسب البطالة دون الخوض بأنواع هذه البطالة وربطها بما يجري في العالم، ولم يناقش مسؤول الدخول والأجور بعقلانية، ولم يتحدث أحدهم عن الدعم الحقيقي بواقعية. ما جعل كل مؤشراتنا الاقتصادية مثار جدل، ومحط تندر، ومطرحاً للشك.
عدد السياح قبل الأزمة لم يكن مُتفقاً عليه، وتعريف العاطل عن العمل في سورية خضع للنقاش الطويل، دون الوصول إلى نتيجة، وكذا الأمر بالنسبة للفقر، وخطَّيْ الفقر الأدنى والأعلى، كلها مؤشرات لم تقتنع بها الجهات التي وضعتها، ولا الباحثون الذين يتلقفون هذه الأرقام بتوجس وشك كبيرين. فمنذ أشهر والحديث عن الفروج المجمد، يرخي بظله، على كل مسؤول اقتصادي، كما يستحوذ على مطالب المواطن، بأن الفروج القادم سيؤدي إلى انفراجة في أسعار هذه المادة. وفي ذروة النقاش، والانتظار، وبعد أن دنا الحلم، عادت (قريباً) لتلح بحضورها غير المرغوب، وتترك باب الانتظار موارباً، وإحدى النوافذ مفتوحة. ليظهر من يعيد الكرة للملعب الأول بأن سورية لا تستورد الفروج المجمد، بل المثلج. هذه الفقاعة لن تغير كثيراً في معطيات الواقع البائس، ولن تزرع الورد في نفوس من ينتظرون أن تحقق الحكومة وعداً، قطعته على نفسها.
مايفلح به المسؤولون الاقتصاديون في بلادنا هو إتقانهم الحاذق لفن التبريرات. وهذه مدرسة سورية حكومية بامتياز. فكل قضية تفشل، أو خطة لا تنفذ بالكامل، أو مشروع يحال إلى التقاعد مبكراً، أو تعميم أو قرار لاينفذ، يجد المسؤول الاقتصادي عشرات المبررات التي تحاول تجميل صورة الفشل، وتعزيز حالة اللامبالاة، وإظهار عدم المساءلة، دون أن يرف له جفن. أسلوب المبررات لا نجد له مثيلاً في العالم، هو بعيد جداً عن الاعتراف بالخطأ، أو إقرار الفشل، الذي يمكن غفرانه، أو التعاطف مع أسبابه الموضوعية والذاتية في آن. لكن مسؤولينا الاقتصاديين، بعيدون جداً عن هذه الثقافة، ويتجاهلون الاقتراب من جادة الصدق في لحظة المكاشفة الحقيقية، وكأن المسؤولين، وعقب إقرار الخطط والمشاريع وو..إلخ، يبدؤون مرحلة البحث عن إيجاد المبررات لعدم التنفيذ مسبقاً، بدلاً من انطلاقهم للعمل.
تراجع نسب الإنتاج له من المبررات الكثيرة التي تتناسب مع كل فترة زمنية، بخيباتها، ومخاطرها. وبالمسطرة ذاتها يمكن القياس على تراجع الأداء، الذي هو حالة دائمة، ومتكررة، منذ سنوات طويلة. فقط حالة التصفيق هي المتفق عليها، أياً كانت الخطط، فخفض الإنفاق الاستثماري العام، كان موقفاً يجب أن نصفق له في الخمسية العاشرة. والتهليل للقطاع الخاص المستثمر، كان شرطاً لازماً لكل من يعمل بالاقتصاد. وبالمقابل، يبدو فشل ذلكم النهج، فرصة ليس لنقده، وتقييم التجربة، إنما للقفز نحو موقف جديد هو إعادة الدور الكبير للحكومة في الحياة الاقتصادية، ما يتطلب التصفيق والتهليل منا جميعاً، لهذا التوجه الذي يستند إلى كثير من المبررات.
عدم تنفيذ الخطتين الخمسيتين، التاسعة والعاشرة، المتناقضتين هدفاً وأسلوباً، وجدت الحكومة والفريق الاقتصادي المكلف بإنجاز كل خطة على حدة، المبررات الكافية للقفز فوق المساءلة، وترك الأمر إلى لعنة التبريرات التي تلاحقنا واقتصادنا المتهالك. ومن كان ينتقد الفريق الاقتصادي السابق، يُظهر تبرماً، وضيق صدر من توجيه النقد للفريق الاقتصادي الحالي، هذه حالة ليست نادرة، بل فريدة من نوعها، أي إن الوقوف على مسافة من الفريق الاقتصادي، مرفوضة، ولايتقبلها من حاول سابقاً، التأسيس لها.
ها هي ذي الحالة السورية، استبدال المصطلحات، وتغيير الكلمات، لكن المعنى واحد، إذ لا توجد فجوة بين (سوف) و(قريباً)، فالكلمتان تعبران عن حالة اقتصادنا ومسؤولينا الغارقة في مستنقع المبررات الموحل.