العقوبات والحرب الاقتصادية أحد الفصول الخانقة للمواطنين والمدمرة للاقتصاد
تعاني البلاد حرباً اقتصادية، مفتوحة الجبهات، لا تقل خطورة عن الأزمة التي أتت على معظم بنيتها التحتية، وهي المستمرة لأكثر من عامين ونصف. وكل ما يجري على الأرض من أعمال عسكرية، وعنف متبادل وتهديدات بشن عدوان خارجي، ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني، ويطول لقمة عيش المواطن أولاً. ويهدد استقرار الناس، ووجودهم وكيانهم الاجتماعي، ويزرع الفرقة في النسيج الاجتماعي الذي ظل فترة طويلة متماسكاً، موحداً، فأتت الأزمة لتعرِّيه أمام خيبات لم تكن في الحسبان، ويفرض واقعاً جديداً، مؤلماً وقاسياً.
وبحكم المؤكد الأسعار المرتفعة للسلع والمنتجات، جزء مكمل لهذه الحرب الاقتصادية، حلقتها الأضعف المواطن المقهور، الراغب في العيش بكرامة، والباحث عن لقمة عيشه، دون أن يرغم على مد يده بذلّ لأحد، أو يترك منزله ليكون الشارع أو مركز الإقامة المؤقت أو خيمة في أحد المخيمات وطنه المؤقت، على اعتبار أن المنزل هو المفهوم المصغر للوطن. ولم تستطع جهة حكومية حتى الآن، أن تفي بوعد قطعته على نفسها في معالجة موضوعة الغلاء، وحسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء تشهد البلاد اتجاهاً تصاعدياً قوياً في ارتفاع الأسعار، إذ إن الرقم القياسي لأسعار المستهلك عن شهر أيار للعام الجاري بلغ98,319%، محققاً ارتفاعاً قدره 97,10 نقاط عن شهر نيسان الماضي، وتضخماً سنوياً عن شهر أيار 2012 بمعدل 03,68%. كما ارتفعت في أيار الماضي أسعار الخبز والحبوب بنسبة 35%، واللبن والجبن والبيض 53%، والزيوت 39%. هذا واقع بائس، وحالة مزرية، ووضع لايطاق، طفح الكيل فيه، وبلغ سيله الزبى. وبالمسطرة ذاتها يمكن القياس كل شهر، ولم يسجل المكتب في رصده الشهري لأوضاع السوق تراجعاً في الأسعار أو التضخم، ما يعكس حجم الفجوة العميقة التي تفصل الأقوال عن الأفعال، والمسافة الطويلة بين الرغبات والواقع.
الحكومة في اجتماعاتها الأسبوعية، الرتيبة، والتقليدية، لم تخرج منذ أشهر عن لازمة بث روح التفاؤل لدى المواطن، ومحاولة إقناعه بأن سير الأمور فيما يتعلق بالحالة المعيشية، يسير نحو الأفضل، وأن التخوف السابق من فقدان بعض السلع، أو ارتفاع أسعارها، لم يعد ممكناً أمام إجراءات الحكومة، ومتابعاتها لأوضاع السوق. حتماً، تشكل هذه الحالة عنصراً إيجابياً، فالتفاؤل مطلوب جداً، لكن إلى أي مدى تصلح هذه الوصفة إن صح التعبير؟ وإلى متى سيبقى المواطن على قناعة، وقادراً على التفاؤل وتصديق الوعود الحكومية؟ ألم يصبح الواقع المغاير لذلك الواقع الذي تحاول الجهات الحكومية صنعه، وترسيخه، هو الحامل الموضوعي لكل ما يجري؟ واقع مخيف، قاس، متشابك، يتراوح بين فسحة تفاؤل محدودة وكم هائل من السواد والخراب واليأس.
لم يحدث في تاريخ الأزمات العالمية، أن أدت العقوبات الاقتصادية، أو الحروب الاقتصادية التي تفرض أو تشن، ضد بلد ما، إلى تحقيق أهدافها المعلنة، لأنها غير قادرة على تقويض جزء بسيط من دعائم الأنظمة التي فرضت بحقها هذه العقوبات أو الحروب، ودائماً كان المواطن ببراءته المطلقة من كل ذنب، هو الخاسر والمستهدف، وهو الذي يعاني وتقع على عاتقه كل سلبيات هذه الإجراءات التي تخطىء هدفها، وتصيب من هذا المواطن مقتلاً. وبمعنى من المعاني تصبح هذه الحروب الاقتصادية، والعقوبات المماثلة، تواطؤاً، وسيفاً مسلطاً على الأبرياء، وعاملاً ضاغطاً على الشعوب، تضاف إلى الأعباء التقليدية التي تعانيها أساساً.
فإذا كانت نسب البطالة في سورية قبل الأزمة تصل إلى 9%، حسب الإحصاءات الرسمية، وفي أحد الإحصاءات 14%، فقد قفزت إلى 40% عقب اندلاع الأزمة، وبالتأكيد مع تعطل العمل والإنتاج، وتوقف الكثير الكثير من المنشآت والمصالح الاقتصادية، تتجاوز البطالة أي تصور أو حدود ونسب معقولة، وتصبح لحظتئذ القوة العاملة هي الخاسرة، والعمال بالدرجة الأولى، الذين يرغمون اليوم على اتباع طرق ما أنزل الله بها من سلطان لتأمين رغيف الخبز، ليس أقلها الآن انتشار حالات التسول والدعارة والسرقة والنهب والسطو و…إلخ، هذه هي المظاهر السائدة في حالات الفوضى التي نعيشها، وها هي ذي نتائج العقوبات والحرب الاقتصادية، والمخفي أعظم. وهذا مجرد جزء من جبل الجليد المغمور، الذي يخفي أكثر بكثير مما يظهر من خيبات، وربما هو مجرد فصل واحد من الفصول الخانقة للمواطنين، والمدمرة للاقتصاد الوطني.