الضحكة الواحدة بدولار..!
رغم أسنانه الناصعة البياض، وفمه من الناحية الجغرافية يقع عند تقاطع خطَّيْ الطول والعرض بين الأنف والذقن، تحيطه مساحة جلدية سوداء، وخريطة بشرية سمحاء، وتضاريس قليلة الانحدار تطلُّ على وادٍ سحيق. رغم ذلك نادراً ما تزوره الابتسامات في الأعياد والمناسبات، بسبب الجفاف وانحباس الأمطار.. كان الرجل مقطب الوجه لا يضحك كما يقول عامة الناس (للرغيف الساخن).. من عرفه عن قرب قال عنه: إنه وديع كالحمام، وأمين وصادق كالكلب.. له فم يأكل ولا يحكي.. ومن صفاته أيضاً الإصغاء والصمت دون ضجة وعصبية.. تخرج كلماته الهامسة من ساقية حلقه بعد ذوبان ثلوج الكلام، في ربيع عربي قضى على أحلام الإنسان وعلى الأمن والأمان، وفرض بالبلطة سياسة قطع اللسان وبتر الأصابع وقلع الأسنان وتكسير الأيدي والأرجل والعظام.
وعندما تفاقمت الأزمة جاع وخسر كل شيء، ولم يبقَ غير فتات الأحلام. وكان الرجل حريصاً جداً يحسب للقادمات من الأيام السود سوء الحال والأحوال، فاحتفظ بابتسامة صغيرة ولدت خُدَّجاً فوضعها في حاضنة فمه بحراسة الأسنان وحماية اللسان.. ومن لعابه أكلت وشربت ونمت وكبرت وأصبحت تمشي على قدمين من لحم وأعصاب ودماء وعظام، وغدت شابة جميلة تناقل الناس حكايتها في المزارع والقرى والمدن والأمصار. وشيّدوا لها الأضرحة والمقامات وخصصوا يوماً في السنة لزيارتها والاحتفاء بعيد ميلادها.. وكرَّموها بتقديم المال والطعام للفقراء والجياع في مناطق الإيواء والإحسان.. وزيَّنوا المكان بالأعلام والشرائط من مختلف الأنواع والألوان.. وأقاموا الولائم وغنوا ورقصوا ودقوا الطبول.. ويقضي أهل القرى والمدن ليلة العيد كل عام حتى شروق شمس الصباح، ثم يغسلون وجوههم بالندى، يتباركون ويتركون مواقد الحطب مشتعلة خوفاً من هجمة برد في نيسان، أو زوَّار الفجر يقيدون أيديهم ويلقونهم أحياء في حفرة خارج المكان.
نضجت الابتسامة مثل تفاح الزبداني، وتحوّلت إلى ضحكة عريضة تغطي الفم والشفتين وتجتاز حدود الغمازتين، لكنها سرعان ما نحل جسمها وضمر خصرها، وتوزعت إلى مربعات ومستطيلات. وبرزت زوايا قائمة من الكآبة وزوايا حادة من اليأس ومنفرجة من البؤس. وفقدت ماء لحمها و(تكرنش) جلدها وتحوَّل جمالها إلى لوحة رمادية.. وضاقت بها سبل العيش ولا جدوى من الانفراج والانتظار.
جمع الرجل ابتسامات العقود السالفة في كيس كتَّان.. وكلما حاولت ابتسامة أن تطل من ثقب ضربها بهمسة.. وبقي على هذه الحال لا يعرف نهاره من ليله، وأمسه من غده، أياماً وأعواماً.. وكاد الجوع يذلّه والعطش يقتله.
بدأ أبو حيّان يستعيد ذكرياته ويستقدم أحلام أيام زمان، فقفز حلم من ذاكرته ودخل من ثقب إلى الكيس.. وسرعان ما زال الحزن وسال حليب الحنان وتناثر ما بقي من هموم وآلام. وخرجت الابتسامات مزهوَّات يحملن الأزهار وينثرن العطر ويرقصنَ حُبّاً وتقديراً للتضحيات الجسام ولشهداء الوطن والإنسان..!
دفن الرجل الفقر وباع الضحكة الواحدة بدولار..!