صدور تغلي وقلوبٌ تفور
مثلما الوردة لا يكتمل اسمها إلا بعطرها، والمرأة بأنوثتها، والغيمة بأمطارها، والجبال بقممها وثلوجها، والصباح بفجره، والشمس بشروقها، كذلك هي سعادة ابن آدم فوق جسد أمنا الأرض، لا تكتمل إلا بعد أن يدفع من دم قلبه ثمناً لها، قد يكون حسرةً أو غصّة أو انكساراً.
تمشي السعادة جنباً إلى جنب مع الحزن والألم، وهل تلد الأم جنينها دون أن تتألّم؟ وهل تشرق شمسنا العظيمة من غير أن يحصل فوق سطحها تفاعلات رهيبة وبراكين عظيمة من الجمر والنار؟ وما أكثر الذين ينظرون ويستمتعون بأزهار اللوز والكرز، وما أقلّ الذين يبصرون ما عانته حبّة اللوز والكرز حتى كبرت وأزهرت فوق الشجر..!
إن ارتباط اللذّة والسعادة بالحزن والألم لهو ارتباط عميق وبعيد، كارتباط الحبل بالدلو، والنهر بمجراه، والجذر بالشجر العالي، والعين بالنور، والقلب بالبصيرة، واللحم بالدّم والعظام بالجلد، والنار بالرماد، والصحراء بالرمال، والبحار بالأمواج.
إن المبدعين العظام قد تُسعِد أعمالهم العظيمة الآخرين، لكن من جهة أخرى قد تكون حياة بعضهم حزينة وبائسة ومكفهرَّة. وما أجمل وأشرف أن يُحوّل المبدع حزنه إلى فرح، وفحمه إلى جمر، وعواصفه وزوابعه إلى نسائم لطيفة في وهج صيف، واضطرابه وقلقه إلى هدوء واطمئنان وراحة بال!
(إن الألم يولّد العبقرية، ولا يتعلّم المرء حتى يتألّم، وبين جميع المشاعر يبقى الألم مُربّي الإنسان الأكبر).
ألا يشبه أولئك العظماء حبّات القمح في صبرها وتحمّلها للعتمة تحت التراب، وللريح والعواصف فوق وجه الأرض؟ وللوردة وهي تُعطي أريجها للأشواك التي تحيط بها، وللغيمة وهي تمطر فوق أرض عطشى، ولأوراق الأشجار العالية وهي تشويها حرارة الشمس كي تحمي الثّمار ويتفيأ تحتها العابرون؟! (وما اللؤلؤة إلا ابنة الألم الطويل وثمرة داءٍ دفين، فكيف يضحك المرج إن لم يبْكِ السّحاب، وهل ينال الطفل اللّبن بغير بُكاء؟).
لكل شيء جذر وهوية.. وقد يكون جذر السعادة الألم، وهوية الفرح الحزن والكآبة، فلا يمكننا فصل الألم عن الفرح، وذلك كمثل مَن يحاول إبعاد قوس قزح عن ألوانه، والقمّة عن سفوحها، والحنجرة عن صوتها، والقلب عن نبضه، والروح عن الارتفاع والتّحليق!
إن أساس الأبنية المرتفعة حجارة مرصوصة في الأعماق، قد لا نراها، لكننا نعرف أنها موجودة، ولولاها ما ارتفع البناء وظلّ صامداً.
كذلك قد يبدو بعض الناس، سعداء فرحين مسرورين بكل شيء، إنما في المقابل قلّة يعرفون ما يغلي ويفور من وجعٍ مزمن داخل تلك الصدور، وما تخبّئه ضحكة أفواههم وبشاشة وجوههم من انكسارٍ دفين وحزن عميق.