مزارعو تفاح السويداء بين الاحتكار والبيروقراطية
يبدو أن حلم المزارع في السويداء باسترداد تكاليف إنتاج موسمه من التفاح انقلب قلقاً وهماً له، وربما تبدد، ذلك لأن البرادات الخاصة أصبحت في عهدة التجار والمحتكرين، ولم يترك مجال للفلاح لتخزين إنتاجه، خاصة أن الحكومة وضعت رسوماً تجاوزت حدودها 250 إلى 300 ألف ل. س على البراد، وهذا المبلغ يحصله التاجر من تعب الفلاح وإنتاجه، كيف ذلك؟
بخفض أسعار الشراء من المزارع ورفع السعر للمستهلك.. وبالتالي يعيش مزارع التفاح بالسويداء اليوم تحت مطرقة الضمّانة المحتكرين، وسندان القرارات الجائرة التي أخرت تحقيق حلمه بإقامة سوق هال لتصريف إنتاجه منذ عقدين ونيف، فقد صارت تكاليف الإنتاج أكثر من اسعار المبيع..بينما سعره في الأسواق أكثر بثلاثة أضعاف من سعر شرائه من المزارع، وهو مؤشر إلى أن التاجر دائماً يستغل تعب المزارع وحاجة المستهلك على مرأى من عيون الجهات المعنية، دون تدخل إيجابي في الموضوع.
اللجنة الزراعية الفرعية بالسويداء التي يرأسها الدكتور عاطف النداف محافظ السويداء، وعضوية جميع الجهات ذات الصلة حددت أسعار التفاح على النحو التالي: الأحمر للنوع الممتاز 95 ليرة، والأول 90 ليرة، والثاني ،75 والثالث ،60 وللصنف الأبيض 90 ليرة للممتاز، و85 للأول، و70 للثاني، و55 للثالث، وللصنف الموشح 75 ليرة للأول، و65 ليرة للثاني، و55 ليرة للثالث.
مكتب جريدة (النور) بالسويداء الذي وصلت إليه شكاوى من مجموعة من المزارعين، منهم السيد نصر أبو عاصي رئيس الجمعية الفلاحية في قرية مياماس، الذي أكد أن المزارع أمامه أربع عقبات، أولها أن إنتاجه لا يسوّق عبر سوق الهال المحلي الموعود به منذ عقدين ونيف ولا يوجد سوق تصريف لإنتاجه، والثاني عدم توفير الصناديق البلاستيكية اللازمة لتسويق الإنتاج للقطاع العام، والثالث احتكار الضمّانة للبردات الخاصة بسعر زهيد، وعدم التقيد بالأسعار التي حددتها اللجنة الزراعية الفرعية لشراء التفاح من قبل الضمّانة المحتكرين والسماسرة، واقتصار سعر المبيع على نصف التكاليف الفعلية، رغم أن أجور الرش من مياه ومازوت وأدوية يجعل تكاليف الإنتاج اضعاف التكاليف المقدرة، وإنتاجنا يباع للضمّان بسعر لا يصل إلى 45 ل. س ويباع في الأسواق بأكثر من 125 ل. س، كيف نفسر ذلك؟ والفلاحون يسألون: من المسؤول عن حماية الفلاح من جشع التجار وطمعهم؟
اتصلنا بالسيد فادي مسعود، مدير فرع الخزن والتسويق في السويداء، فأوضح أن الإنتاج المتوقع من التفاح وفق تقديرات مديرية الزراعة 49 ألف طن، والخطة السنوية لتخزين التفاح بلغت 1325 طناً، وهي تحتاج فعلياً إلى 80 ألف صندوق بلاستيكي في حين المتوافر منها في الفرع لا يتجاوز 52 ألفاً أي أن نسبة العجز في خطة التخزين يعادل 30 ألف صندوق، فالصناديق لا تكفي إلا لتخزين 860 طناً من التفاح، موضحاً أن فرع الخزن والتسويق أبلغ الإدارة العامة رسمياً بالعجز في الصناديق، وطالب بتعويض ضمن الإمكانات المتاحة.
وأكد مدير فرع الخزن والتسويق بالسويداء أن الدائرة قامت بتجهيز الفراغات التخزينية بمعدل 22 غرفة سعة كل غرفة 125 طناً مجهزة بالمولدات في حال انقطاع التيار الكهربائي، مع السعي إلى الحفاظ على المخزون الاستراتيجي للمازوت لضمان استمرارية عمل المولدات، وأن هناك تنسيقاً بين اتحاد الفلاحين ومديرية الزراعة لتشكيل لجان لتسويق مادة التفاح للإخوة الفلاحين واستجرار التفاح وتوزيع الصناديق عن طريق الجمعيات الفلاحية بصفتها الاعتبارية بحيث لا يتجاوز التوزيع الإمكانات المتوافرة لدى الدائرة من الصناديق البلاستيكية.
حول ذلك اتصلنا بالسيد خطار عماد رئيس اتحاد الفلاحين بالسويداء الذي أوضح: جرى التشاور مع الجمعيات الفلاحية في المحافظة لتحديد الأسعار، ولابد من إحداث جمعيات تسويقية وتقديم التسهيلات الإدارية الازمة لها، لأن ذلك قد يخفف حجم خسارة المزارع أمام الهجمة الشرسة للمحتكرين..
حاولنا معرفة دور مديرية الزراعة بالسويداء واتصلنا بالإدارة أكثر من أربع مرات متتالية وتلقينا الوعود من مدير مكتب السيد المدير لموافاتنا بالمعلومات اللازمة ولم نحصل عليها، ولأننا حريصون أن نكون موضوعيين في نشر أي معلومة موثقة، خاصة أن السيد مدير الزراعة ينهال على أي محرر بوابل التهم وخلوه من المهنية والموضوعية في حال لم يعد إليه شخصياً، قمنا بواجبنا المهني وبما تقتضيه الدوافع الأخلاقية المهنية، علماً أن قانون الإعلام أوضح أن على الجهات الرسمية التعاون مع الوسائل الإعلامية لتأمين المعلومة المطلوبة.
و(النور) هنا تتساءل: إذا كانت الحكومة حددت رسماً على البرادات يزيد على 300 ألف ل. س، والتاجر يحصل هذا الرسم من الفلاح وعلى عينك يا تاجر، وتسعيرة اللجنة الزراعية الفرعية لا يلتزم بها أحد، والقيادة المحلية تعيش حالة انفعالية مع السوق، والفلاحون والمستهلكون باتوا تحت رحمة التجار والسماسرة فمن يحمي الفلاح والمستهلك؟
والسؤال الأهم: لماذا لم ينجز سوق الهال إلى تاريخه علماً بأنه وارد في الخطط منذ عقدين ونيف؟
هل مكتوب على الفلاح في السويداء أن يدفع تعبه إلى التاجر دون أن تقدم الجهات الرسمية والمعنية له يد المساعدة وتضمن له إمكانية الاستمرار في العملية الإنتاجية لأهم منتج من المنتجات الزراعية بالسويداء.. بتأمين أسواق تسويق وجعل المحتكرين يقفون أمامه باحترام لتعبه وجهده الكبير، أم بات الفلاح ومطالبه المحقة عبئاً على الجهات المعنية؟
أم أن عليه الدعاء كي يسوّق إنتاجه ويحقق هامش ربح بسيطاً لقاء أتعابه التي لا تقدر، ونحن أحوج إلى إنتاجه وجهده لتحقيق التنمية؟!